ثقافة

“معمر حجيج” أكاديمي مارس النقد فكتب روايات اتسعت للمكان واختصرت حدود الزمان

خلال فعاليات المعرض الوطني للكتاب في طبعته الرابعة

يطل الكاتب والأكاديمي والناقد معمر حجيج بجامعة باتنة بمجموعة من الروايات التي حكت في جعبتها “هم وآلام” الإنسان لتجد منفذا لها عبر الكائن الورقي الذي خلد عديد الأسرار المختلطة والمختظبة بنتوءات القرى والمداشر والمدن العتيدة، واستطاع أن يصل إلى القارئ بمختلف شرائحه في ستة مؤلفات تباينت ما بين الروائية والدراسات الأكاديمية والنقدية، ليغوص في عمق الإنسان ويخرج ما فيه من روحيات وفكر.

استضاف جناح الشروق الثقافية بقاعة أسحار واستمرارا لفعاليات المعرض الوطني الرابع للكتاب الدكتورعمر حجيج الذي كان مثقلا بالذكريات التي كان يلقيها علينا شيبه قبل أن ينطلق كائنه القلمي في سرد ما يجوب داخله من فوضى لا متناهية، ففي البداية كان الحديث باعادة شريط الذكريات إلى الوراء، ولأقل استرجاعا لبعض الأحداث التي كانت المتكأ للقاءات مفتعلة مع عالم الكتابة، فهنا يقول الكاتب عمر حجيج في توصيف للكتابة: “الحقيقة أن الكتابة لصيقة بالإنسان، فهي ظله وقلمه ووجدانه التي تحمل هما يكبر ويكبر ليأتي اليوم الذي يخرج فيه إلى النورعبر الكتاب، والكتابة وإن كانت وليدة الألم فهي أيضا محاولة لاسترجاع الماضي والتنصت للمستقبل، وهي اضفاء نوع من الحميمية مع الحاضر”.

رحلة الكتابة مع الكاتب عمر حجيج كانت في سنوات الثمانيات، حيث كان أول ما كتبه مخطوط يلفه الواقع ولم يرى النور إلا في سنة 2016، حيث كان المخطوط رواية “معزوفات الطيور”،  مشيرا أنه كان يعمد على ايصال المعاناة عن طريقة الكتابة التي اعتبرها عملية تتجاوز الألية إلى كونها معقدة ونفسية واجتماعية وعاطفية بما أسماه “المعادلة المتعددة المجاهيل”، فالكلمة حسبه كالإسفنجة التي تغوص في عمق الإنسان وتخرج ما فيه من وعي وتتعمق في الواقع وتخرج ما هو مسكوت عنه.

وعن المواضيع التي كانت الثيمة الأساسية في روايات عمر حجيج، فأوضح أنها موضوعات تدور حول الصورة التي تنقل القارئ إلى فترة الاستقلال وماعاشته سواء في البنية الفكرية وفي الطموح والمعاناة والأفكار التي تبني لمشروع مجتمع يهيأ نفسه ليكون رقما في هذا العالم، وقال أنه ليس من السهل أن يفرض الإنسان مكانة له في هذا العالم، غير أن الإنسان الجزائري معروف عليه التحدي، وليس هنالك من يقدم قربان للحرية مثل الجزائري، فالحرية بالنسبة له شيء مقدس.

“الأعمال الأدبية كالأبناء لا يستطيع  الكاتب أن يفرق بين أبنائه وكل مولود له مساحته الخاصة ومكانته”، هكذا وصف الكاتب عمر حجيج رواياته حيث يرى أن الأعمال الأدبية أعمال متكاملة وتحاول أن تنقل شيئا من الشخصيات لصاحب هذا الحبر (الحكواتي) إلى القارئ، وكل ما يخطه القلم هو ابن مكان وابن زمان فالمكان قد يتسع للكرة الأرضية والزمن يختصر التاريخ، والأدب حسبه دائما لا تحكمه حدود الزمان والمكان فقد يكون الحديث عن أي مدينة في العالم تختصر جميع المدن، مضيفا: “في رواياتي المكان يتحرك من القرية إلى الجزائر فالقاهرة، على سبيل المثال لا الحصر في رواتي “معزوفات العبور”، لاني دائما الترحال، فالإنسان الذي لا يرحل بجسده يستطيع أن يفعل ذلك بكتاباته وبخياله.

وفي تصفحنا لبعض الكتب الأكاديمية بطابعها النقدي الذي عكف عليها الدكتور محمد حجيج، فنجد كتاب”الأسلوبية وتحليل الخطاب” و كتاب “أعماق الخطاب وجمالياته وآليات تؤيله”، إلى جانب كتاب “الأنساق السيميائية لإيقاع الموسيقى في الشعر العربي” ويعد كتابا مشتركا، وكتاب “دراسات نقدية وأدبية جزائري” تناول فيه شاعرا كبيرا من ولاية باتنة “محمد معاشي” والذي يعد صديق الطفولة وقامة شعرية فذة مفخرة الأوراس على اعتباره دبلوماسي، والعديد من الأعمال التي أثرت حقيقة المكتبة الجزائرية الأكاديمية والثقافية.

وفي حديثه عن الابداعات الشبابية الناشئة أردف عمر حجيج أن الشباب يكتب عن الأشياء التي تستهويه، بدل أن يكتب عن الفكر والمعرفة، فالكتاب الذي لا يحمل معرفة لا يعرفها الآخر ليست كتابة، لذا يضيف الكاتب عمر حجيج أن الكتابة وجبة متكاملة وعاطفية وعقلية ونفسية، فهي على حد تعبيره أن تعرف لنفسك وغيرك أكثر مما تعرف، ونوه أن الكتابة الحقيقية هي إما أن تستقبلها قابلة أو يستقبلها حفار القبور، اشارة منه إلى ما يمكن أن تنتهي له الكتابة الجادة والمثمرة عن الكتابة التي تعتمد على سرد بسيط لا يغني ولا يسمن من فكر.

وقال الكاتب والأكاديمي والنقاد عمر حجيج أن رواياته مزيج من الكتابة في الشعر والنشر ومشاهد مسرحية وهو ما حملته روايته “معزوفات العبور”، مبينا أن الكتابات المتكاملة فيها العقل واللاعقل، المعقول واللامعقول، التصوف والحضور والغياب حيث يتجلى الإنسان كيفما كان نوعه، كوجبة متكاملة من فلسفة العقل والقلب، وعن جديده فيضف قائلا: يكذب من يقول أنني عندما أخط كلمة أعرف منتهاها، قد يبدأ لكن المنتهى يفرض على الإنسان أشياء غيبية لا يمكن أن نعرفها إلا في أوانها”.

“من شقيق هذا القلم الحكواتي الورقي العراف؟”، تقديم لعمر حجيج أردت به أن أشاركه القراء فهو الذي يعرف نفسه بقوله: “أنا شقيقه وأسمتني أمي (صالحا) كي تهزم به زمنا (طالحا)، لكن سحرة الوراقين كانوا يتبركون بلحن (المعمر) فأطلقوا علي اسم معمر حجيج، وجعلوا ميلادي في 12/09/1947، ومسقط رأسي بعين جاسر بولاة باتنة، وتمردت على سجون جهلهم المحصن والكبير بمقدار الوطن برمته، فتابعت تعليمي حتى نلت شهادة الباكالوريا التي أهلتني للالتحاق بجامعة وهران سنة 1970، وتحصلت على جائزة الليسانس في الأدب والثقافة العربية، ثم استفدت من منحة للدراسات العليا في مصر، والتحقت بجامعة عين شمس، ونلت شهادة الماجستير ثم شهادة دكتوراه الدولة من جامعة الجزائر، من أعمالي رواية معزوفات العبور ومهاجر ينتظر الأنصار وسكرات التيجان ومقابر الأحلام ورواية قيد الطبع بدار المثقف.

رقية لحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق