العمود

مــاذا لـــو؟

حلم الشعوب أن تشركها الأنظمة في القرارات المصيرية للدول، وحلم الشعب الجزائري طبعا لا يختلف عن أحلام بقية الشعوب، فهو يحلم ويتمنى أن يشعر بكيانه ويتخلص من إحساسه بكونه “رجل كرسي في الدولة”، وهو من يرغب في أن يتجسد في الدولة شعار “القانون فوق الجميع” ويسود العدل ويتخلص من الحقرة والتهميش ويساهم في مكافحة الفساد بكل أنواعه والقضاء على مختلف الآفات التي يرى أن عصابة ما في الدولة في انتشارها وعجزت عن الحد من انتشارها، فماذا لو تحقق هذا الحلم للشعب الجزائري وتكلف المواطنون بتسيير أمورهم وأمور الدولة على أساس أن الشعب يوما إذا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر؟
أتصور مثلا لو أن الدولة تكلف المواطنين بمحاربة آفة “الخمر” التي هي أم الخبائث، فتمنح لهم جميع الصلاحيات للحد من تسويق الخمر ومن أجل القضاء على هذه الآفة، ربما أول ما سيفعله المواطنون هو اعتراض طريق “الشاحنات الناقلة لقنينات الخمر” وقذفها بالحجارة بقوة وعدائية أكبر من التي يقذف بها أطفال الحجارة “اليهود”، وبعدها كسر ما يمكن كسره حتى السائق نفسه، وربما بعد ذلك خطف ما يمكن خطفه من مال ومن قنينات خمر “سالمة” لإعادة بيعها تماما كما يحدث في كل مرة عندما تنقلب شاحنة “بيرا” على الطريق السريع.
أتصور مثلا لو أن الدولة تقرر منح “حرية مطلقة” للشعب كي يفعل ما يريد، دون أن يكون هناك ما يسمى “ظلم ولا حقرة “، ربما أول ما قد يحدث هو تهافت أغلبية العاطلين عن العمل وكثير من البطالين على أكبر قدر ممكن من المساحات المحاذية للمؤسسات والإدارات والاستحواذ عليها باسم “باركينغ”، والأكيد أن الحل مع من لا يرغب في دفع ثمن الباركينغ هو “القرمة”، حينها يحتار الضحية لمن يلجأ لأنه يعلم أن الدولة منحته الحرية التي كان يطالب بها ولا تدخل لها بعد قرار “منح الحرية المطلقة”.
أتصور مثلا لو أن الدولة تقرر منح مبلغ مليار سنتيم لكل مواطن جزائري كاعتراف بأحقيتة في حصته من “البترول”، ربما أول ما سيقوم به كثير من المواطنين الجزائريين هو السفر إلى الخارج من أجل الاستمتاع بإقامة “روايال” لمدة يومين أو ثلاثة أيام رفقة حسناوات أوروبيات أو أمريكيات أو حتى إسرائيليات في شرم الشيخ، ومن ثم العودة إلى أرض الوطن بخفي حنين للندب واللطم مرة أخرى والمناداة “بحقهم في البترول”.
أتصور لو أن الدولة الجزائرية تمنح المنادين بتكافؤ الفرص وانتقاء الناجحين في مسابقة التوظيف بطريقة قانونية صلاحية تنظيم مسابقات توظيف، ربما أول ما يقوم به أغلبية هؤلاء هو “الاتصال بالأحباب والأصحاب” للمشاركة في المسابقة من أجل إدراج أسمائهم بعد ذلك في قائمة الناجحين.
أتصور وأتصور وأتصور، ولا أخمن سوى نفس النتائج التي هي مجسدة الآن على أرض الواقع، لهذا فالأكيد أن مشاكل البلاد ليست منحصرة في “الدولة” بل هي موزعة بالتساوي بين “الدولة” والشعب، وإن أراد الشعب يوما “استقامة الدولة” فليستقم.

عبد العالي بلحاج

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق