العمود

من أجلك يا وطني

من كان يقول عن الشعب الجزائري أنه خانع أو خائف فهو واهم، فعلى امتداد التاريخ لم يسجل للجزائريين سوى المواقف المشرفة التي تصب في كل الظروف وفي جميع الأحوال في صالح “الوطن”، وعندما فضل الجزائريون الصمت عن الكلام طوال سنوات فلم يكن ذلك أبدا علامة الرضا، بل كان خوفا “على الوطن” وكان تفاديا لأن تستثمر انتفاضتهم في نقل ما يسمى الربيع العربي إلى الجزائر، لكن، لما هدأت العاصفة وسقطت مؤامرة ما يسمى بالربيع العربي في الماء وتوارت موضته وعندما بلغ سيل الاستفزازات والعفن والرداءة والفساد والظلم الزبى أصبح من الضروري في نظر “الشرفاء” أن ينتفضوا بحذر، ولأن الشعب الجزائري معروف بمواقفه البطولية والتاريخية وخرجاته المشرفة فقد قال كلمته بطريقة لم يكن أدهى المحللين يتوقعها خاصة في بلد عرف شعبه بكونه “عنيفا” فسقطت كل التوقعات كالربيع العربي في الماء.
ولأن الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر طوال ما يقارب الشهر قد اتسم بالسلمية المطلقة ولأن الهدف منه كان واضحا وهو “إلغاء العهدة الخامسة” وكذا إلغاء التمديد فإن هناك أطرافا لم تهضم أن تبقى المطالب واضحة فراحت تشوش وتزرع “بذور الفتنة” بإدراج مطالب ثانوية تارة وبمحاولة فرض أفكار أخرى ومؤطرين للحراك “شيوخا وعلمانيين” تارة أخرى وكل ذلك لتمديد عمر الحراك خاصة وأن “هناك أطراف” في السلطة قد اختارت سياسة الهروب إلى الأمام ومنحت بذلك فرصة أكبر لمن يترصدون “الأمن القومي في الجزائر” لأن يتموقعوا بأريحية في الحراك ويؤسسوا أجندتهم على أساس “استمراريته”، ولاشك أن العارفين بخبايا الأمور في “الدولة” يعلمون علم اليقين بأن “استمرارية الحراك” من طرف الشعب و”استمرارية التعنت” من طرف “الجماعة” في الجهة المقابلة هو أمر خطير على الأمن القومي للدولة، فعندما تطول مدة الصراع بين طرفين فإن ذلك ما يعني فرصة أكبر “لطرف ثالث” لترتيب أوراقه والتخطيط على “مهل”.
مهندسو الدولة العميقة ولأنهم يعلمون جيدا بأن أي محاولة لوضع حد للحراك حتى بالطريقة السلمية من شأنه أن يستفز الشعب ويزيد من غضبه وربما ردة فعل لا تبشر بالخير، وهم يعلمون في المقابل بأن “استمرارية الحراك” هي أشبه بطوفان يبدأ بسريان لماء المطر النقي في الوادي وينتهي بجر الحجارة وكل ما يجد في طريقه لذلك فقد تحول الأمن الجزائري في مظاهرات الجمعة الأخيرة من مهمة “الحماية” إلى مهمة “المرافقة والتوجيه” لطمأنة المتظاهرين وتحسيسهم بأن لا نية للنظام في مجابهتهم وبالتالي تحسيس الجزائريين بمسؤوليتهم في “مساعدة الأمن” في حفظ النظام ومبادرتهم إلى منع التخريب والعنف تحت مبدأ “الشعب والشرطة والجيش خاوة”.
تحول الأمن من حام إلى “مرافق” هو خطوة ذكية جدا من طرف “مهندسي الدولة العميقة” لضمان استمرارية السلمية وتفويت الفرصة على المتربصين بالأمن القومي للجزائر، لهذا فإني أرى من وجهة نظر شخصية أن الشعب الجزائري أمام مسؤولية تاريخية لقطع الطريق أمام من يراهنون على “الفوز بفرصة للاندساس” في الوقت المناسب وقنص السلمية في الوقت المناسب، وإذا ما سلمنا بأن الشعب مسالم وأن الشعب واعي فلابد أن يعلم الجزائريون بأن استمرارية الحراك بطريقة “لا فاصل فيها” قد تمنح فرصة للمتربصين لترتيب أجندتهم ولهذا فإنه يمكن للشعب الجزائري أن يقدم أعظم درس في السلمية إذا ما قرر “إراحة أجهزة الأمن” أسبوعا واحدا كرد لجميلها وكتعبير عن أن الجزائريين بمختلف شرائحهم وبمختلف انتماءاتهم العرقية والمهنية يناضلون من أجل هدف واحد وهو الوطن، ولو أن الشعب الجزائري يقرر فرض “فاصل” غير متوقع ويوقف المسيرات لهذا الأسبوع ويحيا حياة طبيعية جدا فالأكيد أنه سيضرب عدة عصافير بحجر، يريح أجهزة الأمن تعبيرا عن أن “الشعب والأمن والجيش خاوة” يتضامن بعضهم مع بعض ويقطع سلسلة “الأفكار” على المتربصين ويؤكد أنه “صاحب القرار” يتوقف متى ما شاء ويستمر متى ما شاء ويؤكد أن مسيراته “قرار شعب” وسلميتها “فكر شعب وحضارة شعب”، ولا أرى أن الأمر سيكون صعبا على شعب “أثبت للعالم أنه كفؤ” وأن نضاله “من أجل الوطن وبس”.

حمزة لعريبي

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق