إسلاميات

من أوليات الأمن في الإسلام ومقاصده

قال الله تعالى: }مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ { سورة النمل الآية 89

إن من مقاصد الدين المعتبرة، وأدواره المقررة سيادة الأمن وحماية المكلف من كل ما يسبب له الخوف لتحصل له النجاة في الدارين معا، ولقد امتن الله تعالى على قوم أن أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؛ ولهذا فحياة الإنسان الكادحة في هذه الدُّنيا هي في سبب الحصول على الأَمن الذي هو عنوان الاستقرار والسعادة والنجاة.
ولك أن تتمثل حالة إنسان يعيش الخوفَ والفزع، والقلق والتوتر؛ إنه إنسان بلا قيمة، وحياته أشبه بعدمها؛ فالإنسان يفقد مع الخوف كل طاقاته وقواه، بدءا بالقوى العقلية الفكرية، وانتهاء بالقوى الجسدية المادية.
ولهذا كان من مقتضى الاستخلاف في الأرض أن ينشر الأمن ويعم السلام؛ لأن رسالة الإسلام رسالة أمن بامتياز، وهذا ما يشير إليه صريح الحديث النبوي الشريف في بلوغ هذا الدين الغاية المرجوة؛ ((واللهِ ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الرَّاكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذِّئبَ على غنمِه، ولكنَّكم تستعجلون)).

المقاصد الكبرى وملمح الأمن

إن الكليات الشرعية التي جاءت الشرائع لحفظها وصيانتها – ومنها شريعة الإسلام – ليست في محصلتها سوى تحقيق الأَمن لهذا الإنسان المطالب بالاستخلاف، فما معنى أن تحفظ على الإنسان دينه ونفسه وعقله ونسله وماله سوى أن تحقق له الأمن في كل ما يمس حاجاته الضرورية التي لا انفكاك له عنها وهذا من فائق عناية الله تعالى بعباده في مختلف الشرائع.
ومن أجل الحفاظ على هذه المقاصد، وضع الإسلام مجموعة من التدابير والإجراءات العقابية لمن سولت له نفسه الاعتداء على الغير، عبر تهديده للأمن الفردي أو الأمن الجماعي، فهما سيان في شريعة الإسلام.

من أوليات الأمن في الإسلام

ـ الأمن العقدي والفكري:إن أول أمرٍ سعى ويسعى الإسلامُ إلى تحقيقِه لدى الإنسان المستخلَف الجديرِ بعِمارة الأرض، هو الأمنُ على المستوى العقدِي الإيماني، فلأجل ذلك دَمْدَم الله تعالى على عبادةِ الشِّرك والمشركين، وجعل التوحيدَ حجَّةً على كلِّ حيٍّ في هذا الوجود.
ويدلُّك على أصالة الأمن العقدي في الإسلام كونه المبتدِئ لكلِّ شيءٍ بعده، والأصل لكلِّ فرعٍ يتلوه، وكما قال شيخُ الإسلام في عصره الإمامُ الطَّاهر بن عاشور: “بأن الإنسانَ إذا نشأَ على الاعتقاد المصِيب ارتاض عقله بقوانين الفِكر المصيب”، والعكس كذلك صحيح؛ فمَن خامرَته الأوهامُ والشكوك، وخالطَتْه الأوهامُ والأكاذيب كان عقله أُحْبولةً لكلِّ شبهة، وموقعًا لكلِّ خطأ في التفكير.
إنَّ العقل الذي تخامره الأباطيلُ والأضاليل، وتنسج حوله خيوط مِن الخرافات والأكاذيب من كل أفَّاكٍ أثيم – عقل خائِف مضطرِب؛ ذلك أنَّ عقيدته مشوشةً لا تعرف توازنًا ولا وضوحًا، ما دام لم يَهْتد بعدُ للواحد الأحد، فلأجلِ هذا كلِّه أرسل اللهُ الرُّسلَ وأنزل الكتبَ، ودعا إلى عبادتِه وحده لا شريك له؛ قال تعالى: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ))[المؤمنون: 32].

الأمن البدني الجسدي

لم يترك الدين أمرا فيه صلاح الإنسان ونقله مِن حالة الخوف إلى حالةِ الأمن والاستقرار إلا أمره بِه وأكّد عليه؛ ففي الذِّكر الحكيمِ نقرأ أن الله تعالى من على عباده بإرسال النبيِّ محمدٍ عليه السلام كما كان مكتوبًا في التوراة والإنجيل؛ وذلك لأجلِ أن يأمرَهم بالمعروف وينهاهم عن المُنْكر ويحلَّ لهم كلَّ طيبٍ ويحرِّم عليهم كلَّ خبيث: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )) [الأعراف: 157].
وتتجلى دعوة الإسلام إلى الحفاظ على الأَمن الصحي للإنسان في مناسبات عدة، أذكر منها دعوتَه الكبيرة إلى حِفظ النَّفس، وهي كلية ثانية من كليات الشريعة الإسلامية، فأيما أمر يحفظ على الإنسان صحته، نجد حضا عليه كبيرا، وحثا منقطع النظير.

الأمن الأخلاقي التربوي

وهي صورةٌ لا تنفكُّ ودعوةٌ لا تُحجب مِن الشارع الحكيم؛ فالشريعةُ الإسلامية شريعة أخلاقٍ، وأحكامها أخلاقيَّة، فما كان مِنها إلاَّ أن تسعى جهدها لتؤكِّد على سلامةِ الخُلُق ودَمَاثَتِه، وتربط بين الإيمانِ والخُلُق رباطًا وثيقًا؛ فالمؤمن الحقُّ هو الذي يربِّي نفسَه على الخُلُق القويم؛ تأسِّيًا بنبيِّه الكريم؛ (( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [القلم: 4].
وما دعوة الإسلام إلى الصِّدق، وكلِّ أنواعِ البرِّ والعدلِ والإحسانِ من جهة، ونهيُه عن الكذِب وكلِّ أنواع الفحشاء والمنكَرِ من جهة أخرى – إلاَّ دعوة صَرِيحة في أصلِها إلى تحقيقِ نوعٍ من الأَمْن الأخلاقي لدى الفردِ المؤمن كي يقيَه غَواياتِ الشَّيطان وزلاَّت نفسه الأمَّارة بالطُّغيان.
إنه ليس كالدين داعيا إلى الأمن، وجالبا له، ومدمدما على كل معتد أثيم، ومنتصرا لكل مظلوم ضعيف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق