العمود

من البيت للدار

وجب الكلام

ربما لم يعد هناك موقف أو أزمة أو مشكلة أو قضية إلا وقد كان لها ما يمثلها في الحكايا الشعبية القديمة سواء تعلق الأمر بما هو نسج من الخيال أو ما تعلق بقصص واقعية، ولعل ما يحضرني شخصيا هذه الأيام هو تلك القصة التي لخصت نتيجة التنازلات مع أشخاص “ما يحشموش” وأشخاص لئام إن أنت أكرمتهم تمردوا، فما أراه وما ألاحظه ويلاحظه أغلبية الجزائريين هو أن الحراك قد بات يسير بخطى ثابتة نحو المجهول، وأقول نحو المجهول لأن كثيرا ممن وقفوا في الجمعة الأولى منادين بإسقاط العهدة الخامسة لم يتوقعوا أن المطالب ستتشعب وتتكاثر كالفطريات لدرجة أن يصبح تجاهلها تعنتا من السلطة والاستجابة لها جريمة في حق الوطن.
القصة التي أشرت إليها كان الضحية فيها شخصا أجر غرفة من غرف منزله الواسع لأحد اللئام، وقد عرف الشخص بكرمه الفائق لدرجة أنه كان يتقاسم طعامه وشرابه مع المستأجر اللئيم، إلا أن الأخير كان يتمادى في طلباته إلى أن وصل به الأمر لأن يطلب من الرجل الكريم السماح له بغلق غرفته بسلاسل حديدية أثناء قيامه برحلات خارج المدينة وكان له ما أراد، وكان يطلب من الرجل أيضا السماح له بإحضار أصدقائه وإحياء حفلات “ماجنة”، وهكذا بالغ الرجل الكريم في كرمه وتمادى المستأجر وبالغ في تخطي حدوده كمستأجر حتى خرج الرجل الكريم من منزله مرة فأغلق المستأجر الباب من الداخل وأصبح مالكا للمنزل بأكمله.
الحراك بات منزلا كبيرا والسلطة منذ بداية الحراك تقمصت دور الرجل الكريم وأخذت تساير الشعب حتى ظنت شرذمة من الجزائريين أنها على حق في كل ما تقول وما تفعل وأن رأيها صحيح لا يقبل الخطأ ورأي السلطة خطأ لا يقبل الصحيح، وبات كل قرار من السلطة في نظر الشرذمة علقما وإن كان عسلا وباتت آراء الشرذمة عسلا في نظرها وإن كانت علقما على الوطن، فالحراك الذي كان من أبرز مطالبه إحقاق الحق وإبطال الباطل وتفعيل قوة القانون وتجسيد مبدأ ألا أحد فوق القانون قد أصبح في الآونة الأخيرة بمثابة مسلسل درامي، إن اعتقل فيه فرد من الشرذمة بتهمة القذف واتهام الأشخاص بغير دليل والقيام بأعمال منافية للآداب والأخلاق والأعراف والقانون تداعى له بقية أفراد الشرذمة بالمسيرات والاحتجاجات باسم الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والمؤسف أن كثيرا من التبع المغفلين باتوا أشبه بالعوامة التي تغنى بها فنان شاوي، “رايحين للتبرديع لا خبر”.
صراحة، لم أكن أعلم أن سجين الرأي في جزائر ما بعد الحراك هو شخص يحق له اتهام الناس بما ليس فيهم وقذفهم وسبهم وشتمهم، ولم أكن أعلم أن الديمقراطية وحرية التعبير هي الاعتداء اللفظي والجسدي على الموظفين، ولم أكن أعلم أن الحراك الشعبي ومحاربة العصابة يكون بخلق عصابات جديدة مهمتها غلق الطرقات في وجه المرضى وغلق المؤسسات والمقرات الرسمية بالإسمنت في وجه المواطنين، لهذا فما أراه هو أن استمرار الحراك بهذه الطريقة واستمرار تحكم شرذمة في مفاصله بهذه الطريقة سيصل بنا حتما إلى مطالبة البعض بتغيير العلم الوطني والنشيد الوطني وإسقاط كل الرموز والمقدسات الوطنية باسم “التغيير” ظاهريا وبنية الانقلاب على كل ما يخدم “الوحدة الوطنية” باطنيا، لأن الحراك الذي بدأ بالمناداة بمحاسبة العصابة وكل من له علاقة بها تحت شعار “يتنحاو قاع” ليس نفسه الحراك الذي وصل لأن ينادى فيه بتحرير أكبر رؤوس العصابة تحت شعار “علي تاعكم يتنح وعلي تاعنا ما يتنحش”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق