العمود

من الحبة قبة

وجب الكلام

قبل أيام فقط، كنت قد صادفت وأنا أتابع بعض الصفحات مقطع فيديو للاعب المنتخب الوطني المحترف حديثا في البطولة الفرنسية وهو يرقص ويردد أغنية “شعبية” على مسامع زملائه في النادي، ويتعلق الأمر باللاعب هشام بوداوي، حيث كان ممسكا بقارورة قيل أنها قارورة مياه معدنية شبيهة إلى حد بعيد بقارورة خمر، وعندما رحت أقرأ تعاليق “الغاشي” صادفت ما لا يقل عن مائة تعليق ذكرت فيها كلمة “تحلبت” وكانت تعاليق موجهة للاعب من “الجمهور” أو من الغاشي، وكلها كانت تحمل عتابا للاعب لمجرد أنه حمل قارورة “شبيهة بقارورة خمر”.
ليلة أول أمس، وعندما انتهت المقابلة الودية بين المنتخب الجزائري ونظيره الكونغولي وبحسب ما تم تداوله على نطاق واسع فإن “صحفيا” قد قام بطلب تصريح من اللاعب “هشام بوداوي” لكن الأخير رفض الحديث ربما عملا بتوجيهات الناخب الوطني جمال بلماضي الذي ربما قد منع على اللاعبين التصريح لأية وسيلة إعلامية، ولأن الصحفي “إنسان” أولا وأخيرا فلم يتحمل أن يتم تهميشه بتلك الطريقة فنطق وحسب ما تم تداوله طبعا وقال للاعب “واش تحلبت”؟ وما كان من بوداوي إلا أن ينفجر باكيا في الحافلة الأمر الذي أعطى الحادثة أكثر مما تستحق.
شخصيا، أذكر أن صحفيا قد قال للاعب إسلام سليماني نفس الكلمة، في وقت ما، وما كان من اللاعب سوى أن يرد عليه بكلمة “روح دير دورة وارجع” كتعبير عن استهزائه بالصحفي وأذكر أن الكثير من “الغاشي” قد تطاولوا على سليماني واتهموه بشتى الاتهامات وأغرقوه بالسب والشتم لأنه “أبان حسب نظرهم عن غرور وتعجرف”، نفس الحملة الشرسة تعرض لها نفس اللاعب عقب المباراة النهائية في كأس أفريقيا للأمم لمجرد أنه حاول أخذ الكأس بالقوة عند التتويج من اللاعب يوسف بلايلي، وأذكر أن الصورة الساخرة والمستهزئة باللاعب قد غزت مواقع التواصل الاجتماعي لكن الحادثة قد مرت مرور الكرام، ورغم الانتقادات التي وجهت إلى سليماني في الجزائر وفي فرنسا إلا أنه أثبت جدارته في الميدان ولم “يبك” ولم يتباكى ولم يصدر الفاف بيانا بشأنه.
ما أود قوله، هو أن نفس الغاشي الذي أطلق على الكأس الإفريقية لقبا عنصريا بوصفها “بالكحلوشة” هو نفسه “الغاشي” الذي هاجم الصحفي لأنه لم يتمالك نفسه عند تهميشه من اللاعب الذي كان مطالبا على الأقل بالاعتذار للصحفي بطريقة لبقة، والغاشي الذي يطلق لقب “القهوي” على “الإنسان الإفريقي” هو نفس الغاشي الذي وقف بجانب “بوداوي” لمجرد أن الصحفي قال له “تحلبت”، والغاشي الذي لم ينطق بكلمة عندما قال سلال “الشاوية حاشا رزق رب” هو نفسه من خرج اليوم معبرا عن رفضه “للعنصرية”.
في نظري، وأتحمل مسؤولية ما سأقول، فإن “الاثنين زي بعض”، وأقصد الصحفي واللاعب، فكلاهما لا يمت للاحتراف بصلة، فلو أن الصحفي محترفا حقا لتفهم رفض اللاعب الإدلاء بأي تصريح، ولو أن اللاعب كان محترفا حقا لما فضل البكاء ولما من على الشعب الجزائري في “تغريدة” عبر تويتر “بالكأس الإفريقية”، ففي نهاية المطاف، هي مجرد “منافسة رياضية” لم يستفد منها الشعب شيئا ماديا بقدر ما استفاد اللاعبون، والشعب إذا ما عشق كرة القدم والمنتخب الوطني فلعشقه الكبير للوطن والعلم الجزائري لا طمعا في اللاعب الفلاني أو الفلتاني، والصحفي إن أخطأ فإنه يمثل نفسه ولا يمثل الصحافة الجزائرية ككل ورغم ذلك فكلامه لا يستحق كل هذه البلبلة ولا يستحق أن تتهم بسببه صحافة الجزائر بأنها “عميلة وخائنة”، وكلمة “تحلبت” لا تستحق كل هذه “المندبة” فرغم الاتهامات التي توجهها الصحافة العالمية الاسبانية والإيطالية والفرنسية وغيرها للاعبين عالميين إلا أننا لم نر يوما “مواطنا” أيا كانت جنسيته يتهجم على صحافة بلاده، وأنا على يقين لو أن صحفيا فرنسيا قد قام بتوجيه كلمة أقسى من الكلمة التي قالها الصحفي الجزائري لبوداوي لما رأينا من الأخير ولا من الفاف ردا، أما وقد تعلق الأمر بصحفي جزائري في ظرف “حساس” تعيشه البلاد فأخشى أنه لو قال “روح تلعب” لفهمها “الغاشي” على أنها عنصرية في بلد أصبح فيه الشرطي “خائنا”، والدركي خائنا والصحفي خائنا رغم أنهم جميعا من “الشعب”، فإذا كان شعبنا مثاليا لهذه الدرجة فمن أين خرج “البوليسي والجدارمي والصحفي”؟
حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق