مواسم البوح

من عيون الشعر.. !

همسة

الشعر يتفاوت مبنى ومعنى من شاعر إلى آخر ومن قصيدة إلى قصيدة أخرى، ففيه الغث وفيه السّمين، وقد خُصّ الشعر العالي عند العرب بتسمية (عيون الشعر)، أي أجمل وأروع أبيات الشعر، ومنه الذي هو حكمة محفوظة أو مثل سائر، وحتى قال بعض الشعراء عن بيت أعجبه: هنا موضع سجدة ينبغي أن يسجد فيها.. !
ومن تلك العيون ما حفظناه صغارا ونقش في القلب، فصار ينبض في صدورنا مع نبضات القلب، ويتنقل مع أنفاسنا في كلّ خلية تدخلها أو تخرج منها، ويحضرني الآن منه قول الشاعر الحكيم:
لولا المشقّة ساد النّاس كلُّهم * * الجودُ يفقر والإقدام قتّال
وفيه خصلتان لا تكونان إلا في نوادر الرجال، الجود (الكرم) والذي قد يأتي على المال فيترك صاحبه فقيرا، وذلك أمر لا يستطيعه أغلب النّاس، ولا نقصد هنا بالكرم إعطاءَ فضول الأموال والإنفاقَ عن ظاهر غنى، فذلك أمر يشترك فيه كثير من أهل الشهامة، ولكنّ الجود العظيم الذي لا يكاد يُمسك على صاحبه مالا ولا متاعا، ذلك هو ما قصدناه وعناه الشاعر، وكذلك الخصلة الثانية؛ الإقدام في الحرب ومواجهة الأعداء لا تكون صفة يختصّ بها صاحبها دون سواه من النّاس، حتى يُقدم فلا يعرف للتقهقر سبيلا، وحتى يقول مثلما قال عبد الله بن رواحة:
أقسمت يا نفس لتنزلنه…أَقسَمتُ يا نَفسُ لَتَنزِلِنَّه طائِعَةً
أَو لا لَتُكرَهِنَّه.
وهو إقدام عنترة الجاهلي الذي قال:
مازِلْـتُ أَرْمِيهُـمْ بِثُغْرَةِ نَحْـرِهِ * * ولِبـانِهِ حَتَّـى تَسَـرْبَلَ بِالـدَّمِ
فهذا إقدام من أيقن الموت وفتح له صدره غير وجل ولا هيّاب، ومثله إقدام رجل شهم وفارس نبيل، هو الشهيد مصطفى بن بولعيد، الذي وجد المال والجاه ورَغَدَ العيش والمكانة في المجتمع، وحتى الحظوة عند المحتلّ البغيض (لو أرادها)، فآثر التّعب على المشقّة، والمخاطرة بالحياة على الركون للراحة والأمن، وأقدم على الموت بصدر رحب، وهو في ريعان شبابه وعنفوان فتوّته، وأبى أن يعيش مثل ربّات الحجال، يرفل في الدّمقس والحرير، ووطنه وأهله وشعبه يسقون الذّل والهوان، فأعلنها عالية مدويّة (أرواحنا فدى الجزائر). هذه هي الشجاعة والإقدام القتّل!
عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.