ثقافة

مهرجان السماع الصوفي: طبوع متعددة وتفاعل كبير في السهرة الثالثة بسطيف

أوفت الأمسية الثالثة وما قبل الأخيرة، من المهرجان الدولي للسماع الصوفي، الجارية فعاليته من 27 إلى 30 جانفي 2019، بوعودها تجاه الجمهور الذي حضر بالقاعة الكبرى لدار الثقافة هواري بومدين بسطيف، من خلال استمتاعهم بباقة منوعة من الأناشيد والمدائح الصوفية، بعد صعود فرقتي أنغام الزيبان القادمة من مدينة بسكرة، وكذا فرقة “إيرنيون” القادمة من غرداية، علاوة على نجم الأمسية المنشد محـمد الزمراني القدم من المغرب الشقيق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تغطية: عبد الهادي بدري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكانت البداية بفسح محافظة المهرجان، المجال أمام أحد المواهب الشابة، والمدعو إبراهيم صديقي، القادم من ولاية أدرار، بناء على رغبته في تقديم وصلة إنشادية أمام الحضور، حيث قدّم إبتهال وأنشودة بعنوان “حبيبي يارسول الله” ونال الإعجاب لصوته القوي والمتناغم مع الكلمات الروحانية للأنشودة.

ليشرع في البرنامج المسطر خلال نفس الأمسية، حيث اعتلت فرقة أنغام الزيبان ركح دار الثقافة، حين أنشدت وأبدعت، والمستهل كان بأداء موال “ذكرك يحلالي” متبوعة بأداء الأنشودة المعروفة “الله يامولانا” طلبوا من خلالها التفاعل والترديد من طرف الجمهور، لكونه يحفظها عن ظهر قلب، وكان للتسبيح نصيب في وصلات الفرقة، بذكر الله عز وجل ورسوله الكريم، أما الموّال الذي تفاعل معه الحضور فكان بترديدهم “يافارس عندي ليك وصية” وإنتهت الوصلة على وقع زغاريد النسوة، وفي الطابع الإنشادي الصحراوي، رددوا “توحشت رمال الصحراء سبحان من صورها”.

وتواصلت الأمسية الإنشادية الصوفية، من خلال اعتلاء المنشد المغربي محمد الزمراني، عدد من الأناشيد الصوفية من التراث المغربي، وبعضها المعروفة منها، بمرافقة من فرقة إشراق بونة، واستهلت بأداء ابتهالات ومواوليل، بصوت قوي ومتميز، ليقدم أنشودة “أحب لقاء الأحبة في كل ساعة” أتبعها بأداء أنشودة بعنوان “صلوا على نبينا محمد” وقد نوع المنشد المغربي في ضروب الإنشاد والمواويل، بين المغربي والأندلسي، وختم وصلته بأداء الأنشودة المعروفة “الله يا مولانا” بطريقته الخاصة، وجدت طريقها إلى قلوب الحضور وخاطبت روحانيتهم.

وكان مسك الختام بصعود فرقة “إيرنيون” وهي باللهجة الأمازيغية المزابية، وتعني بالعربية “الأصدقاء”، القادمة من ولاية غرداية، والتي أضفت على جمالية الركح روعة، بأزيائها التقليدية المزابية المتناسقة والزاهية الألوان، وقدم أعضائها جل وصلاتهم الإنشادية والصوفية، بنفس اللهجة، وإستهلت بأداء أنشودة “أشمن ترى ربي” بمعنى “ندعوك ياالله” أتبعوها بأداء أنشودة أخرى بعنوان “يا الله نطلبك ربي” وختموا أداء وصلتهم بأنشودة “يالله”.

في حين عرفت الأمسية الختامية عشية الأمس حضور المنشد السوري أحمد سليمان مدغمش، إضافة إلى فرقة الريحان من سطيف، والمنشد عبد الجليل أخروف من قسنطينة.

زدادقة :”القصد من مجالس السماع لدى الصوفية ليس الطرب”

أكد الدكتور سفيان زدادقة المتخصص في النقد الأدبي من جامعة محمد لمين دباغين سطيف2، أثناء محاضرته التي ألقاها بقاعة المحاضرات لدار الثقافة هواري بومدين تحت عنوان “السماع في عالم التصوف….السماع و الموسيقى, قراءة في المصطلح والتشغيل لدى المتصوفة”، في إطار المحور الفكري و الفلسفي المرافق للطبعة السابعة من المهرجان الدولي للسماع الصوفي الجارية فعالياتها في الفترة الممتدة من 27 إلى غاية 30 جانفي الجاري، أن القصد من مجالس السماع على ما يذكر لدى الصوفية ليس استجلاب للذة الفنية الشائعة أو ما يسمى الطرب .

و أفاد ذات المتحدث أن القصد من مجالس السماع لدى الصوفية هو سبيل لاستلهام بعض المعاني الروحية العليا التي تتجاوز كل قدرة على الشرح و التفسير اللغوي، وهي معاني متفاوتة بحسب مستوى التلقي ودرجة القارئ ومنزلته، مضيفا بأن سماع “العوام” على متابعة الطبع، وسماع “المريدين” رغبة ورهبة، وسماع “الأولياء” رؤية الآلاء و النعم، و سماع “العارفين” على المشاهدة، وسماع “أهل الحقيقة” على الكشف والعيان.

وأبرز الدكتور سفيان زدادقة بأن الصوفية أولو السماع الشعري إهتماما خاصا، وتمتعوا بحساسية مفرطة اتجاه الإيقاعات والأصوات الجميلة، وإن كان سماعهم محافظا يستهدف غايات إيمانية، أبرزها الوصول إلى قمة التركيز و الخشوع، وتطرق المحاضر بهذه المناسبة إلى نضرة بعض علماء الدين للسماع على غرار نضرة إبن تيمية ذات الطابع الثنائي –على حد قوله- حيث ميز بين سماعين، سماع اعتبره شرعيا وسماع أنكره ورفضه (السماع المسكر في لذته) معتبرا السكر بالسماع مساويا لفقدان العقل بواسطة الخمر.

وفي ذات السياق أورد الأستاذ سفيان زدادقة في تدخله تعريف ابن سبعين (أحد مشايخ المتصوفة) للسماع بقوله “فيها من الأسرار الروحانية أنها تسمع فحوى الخطاب فتزيد على مدلول اللفظ معنى آخر، وفيها أنها إذا سمعت الصوت الحسن يدركها إنفعال، بل قد يبلغ الوجد عندهم في أقصى حالاته درجة الرقص و التهويل” .

وواصل أستاذ النقد الأدبي أن السماع كان ركنا تعليميا هادفا لاسيما في عصوره المتأخرة، حين تحوّل إلى فن قائم بذاته له قواعد وشروط، فقد اشترطوا مثلا في المنشد حفظ القصائد وحسن الانتقاء مع ما يناسب الحال، وحسن الصوت، وإجادة التغني، ووصفوا مجالس السماع وحدّدوا آدابها، ووضعوا لها المراتب والأوقات و الأماكن.

ع. ب

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق