مجتمع

مهن انقرضت بعامل الزمن وبحبوحة المواطن

أبرزها الصناعات اليدوية والحرف والباعة المتجولون

تميز المجتمع الجزائري بعدة مهن ترتبط ارتباطا وثيقا بتاريخه وتمثل أصالته وعراقته وكذا عاداته وتقاليده وتشير إلى مستلزماته وحاجياته، من بين هذه المهن التي ارتبطت بالثقافة المحلية للمنطقة والتي تميزت بكونها جزء من الصناعة اليدوية والحرف، صناعة الزرابي، والألبسة التقليدية كالقشابية والقميص الصوفي، إضافة لإلى مهن أخرى كصناعة الفخار التي تكون أبرزها صناعة “الطاجين” وغيرها.

ولكن عامل الزمن جعل عديد هذه المهن تعاني من خطر الزوال أو الزوال التام وبقائها فقط منحصرة في ذاكرة الجيل الذي عايشها لتطوي الأيام له تلك الذاكرة وتعوضه السوق الاقتصادية عن الحنين لها، ومن بين هذه المهن هي الحياكة ومختلف الصناعات النسيجية التقليدية وصناعة الحلي التقليدي وكذا مهنة الاسكافي، وبيع الأدوات الحديدية والنحاسية ومادة “النايلون” لإعادة تدويرها، إضافة إلى بعض أنواع التجارة خاصة منها التجار المتنقلون كبائع الجافيل والأواني المنزلية والأسرة والبدال الذي يستبدل سلعة بأخرى.
كل هذه الحرف كان عامل الزمن كفيلا بأن يغيرها إلى نشاطات أخرى ويرجح أن يرجع سبب انقراضها أو مسيرها نحو الزوال تشبع السوق الحالية بما هو أكثر جودة وأكثر سهولة بالنسبة للزبائن والبائعين على حد سواء، فالإسكافي الذي كان ملاذا للزوالية قضت على مهنته الأحذية المستوردة من الصين والتي تعد أرخص وإن كانت أقل جودة إلا أنها تفي وعقلية المستهلك الجزائري الحالية الذي يحب أن يغير منظره كل مرة، وذات الأمر يتعلق بالصناعات التقليدية الأخرى الذي طغى الاستيراد كمنافس شرس لها ما جعلها تزول في ظل عدم مقدرتها على التكيف مع البقاء وتغير عقلية المستهلكين.
أما في ما يخص أنواع التجارة الأخرى كالباعة المتجولين فإن نقص الطلب والتعب جعلهم يغيرون المهنة أو يغيروا السجل التجاري إلى باعة عاديين، ومن بين أكثر ما لمس هذه الفئة هو تشديد الرقابة عليهم في ظل تواجد الكثيرين منهم ممن كانوا يشتغلون بلا سجل تجاري أساسا، وهذا ما فرض عليهم الرقابة المشددة التي جعلتهم يتخلون على هذا النوع من النشاطات.
وبالنسبة لمختلف المهن التي لازالت موجودة أو أنها في الطريق نحو الزوال تتعدد الأسباب حسب نوع المهنة، ومع تعدد الأسباب الأصابع الأكبر تتوجه نحو السياسة الاقتصادية للدولة التي تغيرت مقارنة بالسنوات الماضية وكذا عزوف الشباب عن تعلم هذه الحرف كونها أصبحت غير مفيدة من ناحية دخل الفرد، إضافة إلى بعض المشاريع الداعمة التي سطرتها الدولة خاصة المتعلقة منها بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ساهمت بشكل فعال في هذا الأمر، ناهيك على السلع المستوردة خاصة الصينية منها التي غزت مختلف الأسواق وبأسعار بخسة ومغيرة للزبائن، وغير ذلك الكثير من هذه الأسباب التي غيرت ملامح العمل ومعه عقلية المجتمع الجزائري.
وبطبيعة الحال فإن اختفاء بعض المهن سيولد بالضرورة مهنا أخرى تطفوا على السطح في مختلف المجالات ويبدو أن أبرزها “الفرود” وهم سائقي سيارات الأجرة بدون ترخيص الذين يعتمدون على هذا النشاط لزيادة دخلهم أو كدخل وحيد لإعالة أنفسهم وعائلاتهم، وكذا التسويق الشبكي الذي أصبح مهنة الشباب الحالم بالمال الأولى خاصة وأنه عملية غير مجهدة ولا تحتاج رأس مال ويتم بنقرة زر على الرغم من كونها عملية تعتمد على الاحتيال.
وبين الاختفاء والظهور تبقى حاجيات المواطن وعقليته هي المتحكم الأول في هذه الأنشطة التجارية في حين تبقى بعض الأنشطة التقليدية مخبأة في تراث المنطقة لتزيده تعددا على تعدده.

رضوان. غ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق