ثقافة

ميزان الوضع الثقافي يهتز.. المثقفون يصعدون من مبادرة التغيير

جدد المثقفون الجزائريون، حرصهم على مواصلة مسيرة تغيير الوضع الثقافي في البلاد، والتي انطلقت شرارتها الأولى ببيان على صفحات الفضاء الأزرق، وإثر التجاوب الكبير الذي لقيته مبادرة البيان وردود الفعل بجانبيها المؤيدة والرافضة له؛ رفع الموقعون على البيان من مثقفين وفنانين من وتيرة المبادرة، بتجسيدها على أرض الواقع.

إنطلاق التجسيد للمبادرة
الموقعين على البيان من مثقفين وفنانين رفعوا جملة من المطالب، كنوع من الانتفاضة في وجه الوضع السائد وطلبا للتغيير من أهمها: فتح باب الحوار بجانبيه الأفقي والعمودي المنعدم حسبهم منذ سنوات، وتشكيل منظومة ثقافية تقوم على سياسة شفافة وواضحة، كما طالبوا بمراجعة وإعادة رسكلة النصوص القانونية والتشريعية، وخاصة منها التي تكبح مسار العمل الثقافي والفني، بالاعتماد على خبراء من القطاع وإشراكهم في تشكيل لجان دعم ومراقبة وتقييم بمعايير شفافة، وهي النقاط التي تم الوصول إليها إثر إقدام ثلة من الموقعين والمبادرين الأوائل بالفكرة، على الإجتماع بالجزائر العاصمة بحر الأسبوع المنصرم، كنوع من التصعيد في مسيرة الفكرة بغية الوصول لهدف التغيير المنشود في المشهد الثقافي، اللقاء الذي جاء حسب البيان المطروح من قبلهم كخطة فاعلة لنقل النقاش من شبكة التواصل الإجتماعي إلى أرض الواقع، والتأكيد على ما جاء في البلاغ الأول من قبلهم.

وأصر القائمون على اللقاء المقتضب، على استقلالية البيان الصادر عنه من أي تأطير أو تمثيل لأي جهة، واقتصار خضوعه لإرادة الموقعين عليه وعلى أبعاده الثقافية البحتة، ليتمخض عنه جملة من النقاط والإقتراحات العملياتية، على رأسها تنظيم ندوة صحفية في أقرب الآجال، لإطلاع الجميع بالمبادرة ومستجداتها وقطع الطريق أمام المشككين والمشوشين عليها، والتي سيتم الإعلان عن موعدها حسبهم، بعد الإنتهاء من صياغة التقرير النهائي الذي سيشرف عليه مجموعة من الخبراء والأكاديميين، وفق ما ستقدمه ” خلايا تفكير” التي ستقوم بعرض حال المجالات الثقافية على تنوعها، والمشاكل التي تعاني منها مع اقتراح الحلول لها، لتمس كلا من “السينما، المسرح، الفن التشكيلي، الموسيقى، الأدب ونشر الكتاب”، فيما تم اختيار 26 من الشهر الجاري كآخر أجل لاستقبال هذه التقارير المفصلة، وكذا الإقتراحات والآراء، كما تم وضع بريد إلكتروني والموسوم بـ algerieculture2018@gmail.com مخصص للتواصل في الموضوع واستقبال هذه التقارير والعروض، ليتحول التقرير النهائي المتمخض عنها في نهاية المطاف إلى ميثاق عمل ينصهر الجميع تحت لوائه للوصول إلى الأهداف المرجوة، على غرار تسهيل التواصل مع كافة الجهات المحتملة لإيصال أصواتهم ورفع مطالبهم عاليا.

فتيل البداية ببيان شبكي
وقد كانت المرحلة الأولى من مسلسل النقم على الوضع الثقافي ومطالبة التغيير، بالمبادرة التي شرع فيها سابقا مجموعة من المثقفين والفنانين الجزائريين، بعد أن قاموا بنشر “بيان المثقفين الجزائريين من أجل تغيير الوضع الثقافي”، والتي وقع عليها أكثر من 300 فنان، على رأسهم وجوه ثقافية بارزة على غرار عبد النور شلوش، سليمان بخليلي، سميرة صحراوي، فريدة كريم، وغيرهم، وهي المبادرة التي أشرف عليها كل من الشاعر عبد العالي مزغيش صاحب جمعية الكلمة للثقافة والإعلام، والمخرج العربي لكحل، وكذا عمار كساب خبير السياسات الثقافية.
وهو ما جاء طلبا للتغيير كونهم ناقمين عن الوضع، وحالة الركود التي يعانيها مجال الثقافة إثر جملة العراقيل المتشابكة، على غرار الإحتكار البارز للأنشطة الثقافية، وما تسبب فيه المسؤولون عن مؤسسات القطاع من بيروقراطية وجهوية أغرقت ميدان الثقافة فيه، جعلها تفقد مكانتها التنموية وتأثيرها الإجتماعي والإقتصادي في المجتمع والبلاد ككل، معلقين شماعة الداء على فشل وزارة الثقافة في أداء دورها الريادي والقيادي والتسييري في القطاع ورواده، ما نخر الجسد الثقافي وغيب حضور الوطن عبره على الصعيد الدولي والإقليمي، بالإضافة إلى إيقاف العديد من النشاطات التابعة لها في عدة نقاط على مستوى الوطن، وتوالي إخفاقات الوزارة في عهد القائم عليها عز الدين ميهوبي، وبروز آفات تغلغلت عبرها، من بينها الرقابة والمعاملة بالمحاباة ونهب المال العام، وكلها نقاط جعلت من المشهد الثقافي في البلاد يتخبط في حالة من الإحتقان والتذمر الضمني والمعلن، بين عديد الأطراف، وخاصة المعارضة لما هو سائد حاليا من أمور مذكورة آنفا حسب البيان.

ملامسة فوقية بمراسلة السلطات العليا
بعد 5 أيام من صدور البيان الأول، وفي 10 من الشهر الجاري، وفي خطوة تصعيدية، تم تسليم البيان مرفقا بالتوقيعات إلى كل من رئاسة الجمهورية طلبا للتدخل العاجل لإنصاف المثقف الجزائري من قبل الجهات المخولة بذلك، سواء مديرية الديوان بالرئاسة أو مستشاري الرئيس، ووزارة الثقافة لإعلامها بجدية الخطوة رسميا، محملينها المسؤولية في تدهور الوضع الثقافي في البلاد.

ورقة ميهوبي مهددة برياح التغيير
منذ تقلده مهام الوزارة في 2015، إعتبر ابن المسيلة المتعدد المواهب الورقة الناجحة التي سترفع وتوازن القطاع بحكم مسيرته، ورغم أن دراسته كانت بعيدة عن الجانب الأدبي، كونه متخرج من المدرسة الوطنية للإدارة، إلا أن موهبته جذبته إلى مساره الحالي، خاصة بعد الإنجازات التي حققها في عدة قطاعات، بمروره بميدان الصحافة منذ سنة 1986، إلى غاية احتلاله رئاسة تحرير جريدة “الشعب” من 1990 إلى 1992، فالمدير العام للإذاعة الجزائرية من 2006 إلى 2008، وكاتب دولة مكلف بالاتصال 2008 إلى 2010، وتواصلت مسيرته في العطاء الأدبي وتبوء المناصب في عدة مجالات ثقافية، على غرار رئاسة اتحاد الكتاب الجزائريين في 3 مرات مختلفة، ورئيس الاتحاد العام للأدباء العرب من 2003 إلى 2006، ومديرا عاما للمكتبة الوطنية الجزائرية 2010 إلى 2013، ورئيس المجلس الأعلى للغة العربية (2013 إلى 2015) وصولا إلى منصب الإستوزار لقطاع الثقافة سنة 2015.
بالإضافة إلى مؤلفاته وإصداراته التي تزخر بها رفوف المكتبات وصفحات الجرائد، على غرار ديوان شعر “في البدء كان أوراس” سنة 1985، نص أوبيرت حيزية سنة 1997، وروايتي “التوابيت” سنة 2003 و”إرهابي سنة 2013، وباقة من المسرحيات التي كتبها وجستها مسارح العديد من الولايات.


إلا أن رياح التسيير لميهوبي المبدع لم تكن كما يشتهيها المثقفون، أين حمله الكثير منهم، وخاصة الموقعون على البيانات المتتالية مسؤولية تعفن الوضع الحالي وترديه في المجال الثقافي على مستوى النشاطات والإصدارات وحتى الندوات واللقاءات، أين ذكر البيان الأول، أن حالة الركود الرهيبة التي دخل فيها القطاع الثقافي، حلت منذ ثلاث سنوات على الأقل لتتأزم أكثر منذ ذلك الوقت، وهو اتهام مباشر لميهوبي كونها فترة توليه زمام الوزارة لحد الآن خلفا لسابقته نادية لعبيدي.


وقد جاءت ظاهرة إلغاء الحفلات والنشاطات الثقافية في العديد من الولايات والوقوف في وجهها بدء من ورقلة، وبلعباس وغيرها القطرة التي أفاضت كأس التذمر، مرورا بتشبث الوزير بموقف الدفاع عن الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو والذي يجسد دور الداي حسين في فيلم تاريخي عن المقاوم أحمد باي، رغم ماضيه الأسود وما يلحقه من تهم أخلاقية في بلده الأم،
شدت هذه الموجة الخناق على ميهوبي المعروف بين مقربيه والوسط الثقافي والإعلامي بنشاطه الكبير على مواقع التواصل الإجتماعي وخاصة تويتر، من قبل المعارضين لسياسته المنتهجة في تسيير القطاع، وهو الظاهر الذي قد يخفي دعما ضمنيا، لعدم ورود أي رد من قبله على هذه الخطوات المتخذة ضده، سواء من قبله كشخص أو كممثل للوزارة والحكومة، هذه الأخيرة التي لم ترد أيضا على المراسلة الموجهة إليها، وكلها معطيات تزيد من غموض الموقف وضبابية الوضع في القطاع، خاصة مع تعالي أصوات منددة لمثل هذه البيانات من قبل العديد من المثقفين والفنانين، زيادة على العديد من الأسماء المنسحبة من البيان والتي اتهمت المصدرين له بإضافة أسمائهم عنوة دون قبولهم أو معرفتهم بالأمر قبلا.

وقد تكون النقطة المتناساة والتي يحتاجها أبناء القطاع، ونسيها المنددون؛ هو ضرورة تفعيل نقابة الفنانين الوطنية والمثقفين التي ظلت تراوح مكانها بما يزيد عن 17 عاما من إنشائها، ناطقة باسمهم وتحمي حقوقهم وتدافع عن أولوياتهم، في شتى المجالات المهنية والحياتية، وتجسيد المطلب الخاص بتبويب قانون خاص بهذه الفئة، يحفظ كرامتهم وينظم مسار القطاع بشتى مكوناته، ليبقى الجميع يترصد ما ستأتي به قادم الأيام من قرارات وخطوات على أمل أن تصب في الصالح العام الثقافي والوطني، وهو ما يرجوه كل مثقف ومبدع في المجال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق