كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد… الشهيدة مريم بوعتورة ح3

الحلقة الثالثة

أكثر من مائة عام تمر على احتلال فرنسا للجزائر.. كان الفصل فصل شتاء.. وكانت صبيحة يوم الـ 17 من شهر جانفي عام 1938 بالأوراس حبلى بإشراقة جديدة في عمر الزمن وفي مسـار الثورة، في إحدى مدنه التي يتجذر فيها التاريخ والثقافة والإنسان .. !
فابتسمت الأقدار يومها، وأوقفت ركب الزمان في نقاوس ليس طويلا، وفي لحظات أخرجت الأم يمينة للوجود مولودها.. سمتها على بركة الله مريم تبركا بمريم العذراء، فكانت أحب لأبيها عبد القادر من إخوتها الستة، ليلى، حنيفة، حورية، جانينة، نورالدين، صلاح الدين ومحمد العيد.. كانت لوحة فنية في أسمى آيات الجمال، كانت أروع ما يكون، وكانت بحق تحية عطر وسلام زكية للأرض من السماء.
شاء الله أن تخرج ياسمـين إلى الدنيا كزهرة ياسمين في واحدة من أجمل مدن الجزائر، التي تجلت بها حكمة الخالق العزيز، حيث حباها الله بموقع طبيعي جميل فريد رائـع الوصف والحسن، مما جعلها تفيض بنعم كثيرة.. بساتين المشمش والزيتون، حدائق الورود والزهور، الخضرة، الماء والوجه الحسن ..!

طفولتها ودراستها… برعاية الأم يمينــة بوعتورة
قضت ياسمين مرحلة الطفولة بمدينتها نقاوس وترعرعت المدللة في أحضـان أسرتها الميسورة الحال، وسط خـير كثير ونعم كبيرة ومزارع واسعة وحدائق غناء، وقطعان هامـة من الأغنام والبقر والخيول، كان أبوها يستوردها من هولندا ..!
كما عرفت بسرعة البديهة ولا سيما أنها كانت شغوفة بطلب العلم، وبين الكتاتيب والمدرسة الابتدائية للبنات تعلمت أشياء كثيرة.. حيث شجعها والدها عبد القـادر على مواصلة الدراسة رفقة إخوتها، خاصة وأن أغلب أبناء المنطقة فرض عليهم الاستعمار سياسة التجهيل في تلك المرحلة من مطلع الأربعينيات، أين شهدت فيها الجزائر أحداثا كثيرة، منها تعطيـل الاستعمار لعمل الصحافة، ومـلاحقة العلماء، ومطاردة واعتقال الزعماء ورجال السياسة، ومنع النشاط الحزبي والزج بأبناء الجزائر في ويلات الحرب الكونية الثانية والتي ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل ..!
ولعـل أخطرها مجازر يوم الثلاثاء الأسود التي صادفت يوم الـ 08 من ماي 1945، حينما أقدمت جحافل فرنسا على تنفيذ أبشع العمليات القمعية وجرائم الحرب التي يندى لها الجبين ولم يشهد لها العالم مثيلا، في إبـادة جماعية شنعـاء في حق الجزائريين الأبريـاء العزل من المدن راح ضحيتها أزيد من 45000 شهيد و آلاف المفقودين والمعطوبين والمعتقلين من قالمة،خراطة وسطيف.. إلخ، كما تعرضت خـلالها هذه المدن ومدن جزائرية كثيرة أخرى للتخريب.
حينها كان الوطن يصغر، وكانت مريم تكـبر وتكبر معها معاناة وآلام شعبها وهي تعايش أنات الجوع ودموع التشرد وسيـاط التعذيب والاعتقال والقتل، التي تمزق أهالي مدينتها نقـاوس آنذاك، وتحولت فيها المناطق المجاورة إلى ظلام دامس بعدما اشتعلت أراضيها بنار المدافع وسقتها دماء ودموع الأبرياء العزل.
كما استولى الكولون على خيراتها ومزارعها وبساتينها الغناء ولاسيما مع وفرة المياه بها، فحولوها إلى فيرمات نذكر منها مزارع: زكاري، قيو، مارتيني، مارينو، روسي، بورال و ريشة اليهودي، والتي سوف يكون لها فيما بعد دور استخباراتي ولوجيستيكي كبـير للجيش الفرنسي هنـاك.
في ذات الوقت كانت تدورفي رأس الصغيرة استفهامات كبـيرة لم تفهمها ساعتها، ولكنها لم تتركها للزمن وظلت تحاول أن تعرف أكثر ما يدور مـن حولها وهي التي أدركت رغم صغر سنها قساوة الاستعمار، ظلمه ومرارته..

هجرة أسرتها الى سطيف
في تلك الأثناء يقرر الأب عبد القادر الهجرة بأسرته قاصدا مدينة سطيف لممارسة تجارة الملابس الجاهزة المستوردة بعد نجاح الأبناء في الدراسة، وتودع بنت العاشرة مدينتها الجميلة، لتتركها وبألم كبير في يد الأقدار، ولكل من الكابتان/ ابتي/ والكابتان / شومـاز/ وأتباعهما الخونة بالمكتب الثاني في مرحلة قادمة يعيثون فيها فسادا و قتـلا و دمارا بخبث ودهاء كبيرين،وتطلق فيها كل من الآنسة/ مانيت/ ابنة/ مارتيني/ ومدام / مينور/ العنان لكل شيء من خلال الحانتين اللتين كانتا تديرانهما وسط المدينة في مهمة استعلاماتية تؤديانها في الخفاء بذكـاء ومكر كبيرين ..!
حتى الحلف الأطلسي استنجدت به فرنسا لقمع الثورة بالأوراس، وذلك بتسليط أبشع صـور التعذيب و التنكيل والقتل والتشريد ضد الأبريـاء العـزل في بلدتها ومناطقها، بوحشية وبربرية لا تعرفان الحدود، ووسط همجية لا تؤمن بإنسانية الإنسان.. قتل جماعي فاشي، وجثث مفحمة حولت إلى رماد، وأشلاء الأطفال تتطاير في كل مكان، وأمهات بقرت بطونهن وهن أحياء، بعدما اشتعلت أراضيها بنار المدافع وحرثتها الدبابات وأمطرتها الطائرات بالنابالم، في هذه المناطق التي صنفها الاستعمار مناطق محرمة، بحيث خلفت أكثر من 175 شهيدا و8 آبار محشوة بالشهداء مطمورة حتى الآن بحي الساتيام، هي خلاصة جرائمه الجماعية، إذ حصدت اليد الحمراء في ليلة حمـراء واحدة 85 شهيدا من أحسن وأفضل ما أنجبت المدينة ومناطقها من الرجـال ممن ثبت انتماؤهم للثورة سنة 1958.
كما دك هؤلاء الغلاة غـار أوشطوح دكا بما حوى من المئات من السكان العزل بتاكسلانت، إضافة إلى إلقـاء مئات الأطنان من قنابل النابالم عن طريق طائرات 26B وB29 على السكان العزل في القرى و المداشر والجبـال بالقصبات وكذا على مخبـأ تايشريرت الكبير و الشهير بجبل قطيان، والذي يحـوي في جوفه مستشفى كبـيرا ومراكز للمؤن ومقرات لقيادات جيش التحرير .. !
وذلك في أبشع وأقذر صور حرب الإبادة الجماعية وجرائم الإنسانية وكذا في مواجهات ومعـارك ضارية بالمنطقة وكم هي كثـيرة، كـان ضحيتها أكثر من 152 شهيدا إضافة إلى المعطوبين ، دون أن ننسى سياسة الأرض المحروقة التي نفذها الاستعمار هناك دون إنسانية و بلا رحمة.
كما لم تتوقف فرنسا عند هذا الحد بل استنجدت بجحافل الأطلسي المدججة بمختلف الأسلحة الجوية والبرية، التي حضرت إلى الجهة بالآلاف وقامت بتمشيط القرى والجبال لاجتثاث الثورة منها ووضع حد للنشاط الكبير لجيش التحرير هناك، والتي كان للخلايا الأولى التي زرعها مفجـر الثورة الجزائرية الشهيد مصطفى بن بولعيد رفقـة الشهيد معامير بلقاسم وبإسناد قوي من فرعي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و ثلة من رجال الجهة الذين ورثوا الثورة وجبلوا على رفض الظلم والاستعمار أبا عن جد، إلى جانب أولئك الذين تشبعوا بالحس الوطـني نتيجة انخراطهم ونضالهم مبكرا في مختلف أحزاب الحركة الوطنية أنـذاك، دور أساسي في ذلك بعدمالم توفق الثكنات العسكرية التي ظلت تحاصر نقاوس في مهمتها، فما كان إلا أن تلقى ضربات موجعة جدا.
وفي المقابل راح جيش التحرير ينفذ مئات المعـارك والكمائن والعمليات هناك، ويزرع مئات المراكز والمخابئ بمناطق نقاوس نذكر منها مركز علي بن ادريهم، مركز ميـلود ماضوي، مركز الربيع ساكري، مركز الدحامنة للإخوة بلقاسم وخالد لكحل، مركز عمر بن المختار حفيظ، مركز مسعود جنان بالحواجب، مركز رمضان بن قراع بوزيدي، ومركز لقزامرة، مركز الزين سواكري، مركز الساسي حجيرة، مركز لحسن بن ادريهم، مركز الصـالح جوالله، مركز الصـالح مشيات ومركز السعيد بن العمراوي محامدي.
وكذا عبر القرى والوهاد والجبال المحيطة بها، بدعم قوي من سكانها نذكر منها بأولاد سلطان، مراكز كل من محمد بن مركيش حذفاني بلبيار، بخوش ببريش، عبد الله بن لعلى بتارشوين، لمبارك فاضل بشعبة اللبا، عمـار بن كشكاش بتيفران، المسعود بن الدراجي براحلة بثنية بوثور، بونوارة ومساعدية مختار بالقرب من الرفاعة، غضبان لخضر، خبرارة علي بن بخـوش بالعراقيب، عمـار حميـتي المدعو حديدوان ببوخـلف، إبراهيم بن أم السعد بأولاد بشينة، بوخـالفة وابنه المدعو بلادي بكاف الناظور، بلعيد نزار وسـاسي عيسى بن أحمـد بتيرفاعين ، أحمد بن بالة بالزعابيب، ربـاج طراش بشعبة اللبا، عبدالله بلججيط برأس العـين، عيسى بن مصباح مـانع بعين البطمة، عائلة سنقوقة بسفيـان، بلخيري الحواس، ومستشفى خضرة ببريش، بالاضافة الى مراكز محمود العباسي بتاكسلانت، جاري عثمان ومسعو دبن جعفر طعبـاش بتينباوين، عبدالله بن علي بوسـاحة وعمارطراش بتارشوين، الشريف زروال بالرفاعـة، قبـايلي بوتيطاو بالحمـام، محمد بن عمر بيطام بالقرب من عين التوتة، الصـالح بن البحي بالقرب من أطفي، أحمد بن خلاف بعيطي بقوشبي، عيسى بن علي احجيرة وحجيرة بلقاسم بجر الزقارة، موسى بن قوجيل موساوي وعمار موساوي ورزقي محمد بن عيسى بالشعبة، الحواس بن بلعيد نزار وعمر بن بختـة بتيرفـاعين، عمار صوالح والصالح شمـلال وعمران ابراهيم ومستشفى عائشة عمران باولأد سي سليمـان.
زيـادة على ذلك فببومقر وسفيان نجد كذلك السعادية للصديق بن عبد الله بمقونسة، أحمد بولقيس المدعو العياط ببئر جاب الله، السعيد أوفرشة، الدحامنة للإخوة لخضر وموسى بذراع لبغايل، موسى بلعمراوي بالواد، الطاهر صحراوي بالفـايض، قليـان العربي بن بخوشة، عيسى قـاسمي بتاحجوت، عيسى خوالد بتيه انطالت، عيسى بعيرة بواد القمح، الزرادي سـاعي بمعيزة، مرزوقي ومحمد الشريف بوحركـات بتوراشت، محمد بلحواس والكابران بسفيان.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق