العمود

نشيدنا دستورنا

وجب الكلام

ربما القليل فقط من يعرفون قصة النشيد الوطني الجزائري والمعروف عالميا بنشيد “قسما”، والقليل من يعرفون التفاصيل والمراحل التي مر بها قبل أن يتم اعتماده كنشيد وطني للجزائر، فنشيد قسما قد ألفه وخط كلماته الشاعر الجزائري الراحل مفدي زكرياء على جدران الزنزانة رقم 69 بسجن بربروس سنة 1955 بدمه، هذا ما تم تداوله طبعا، أما بالنسبة للتلحين فقد كان الملحن الجزائري محمد توري أول من حاول لكن محاولته قد قوبلت بالرفض لعدم توفر الروح الثورية والشروط المطلوبة، وبعده قام الملحن التونسي محمد التريكي بتسجيل اللحن الثاني بمقر البعثة التعليمية الجزائرية بتونس إلا أن المحاولة قد باءت بالفشل أيضا بحجة أن التسجيل يحتوي على لحن لكل مقطع بما يساوي خمسة أناشيد، أما الصيغة اللحنية الثالثة فقد كانت من تأليف الفنان المصري محمد فوزي وقد كانت مسجلة على الهواء مباشرة في حفل جماهيري بالقاهرة والذي أذيع على أمواج إذاعة صوت العرب، وتم قبولها هذه المرة بالإجماع لطابعها الثوري، غير أنها لم تكن نهائية حتى إضافة الجزائري هارون رشيد الذي أضاف لبداية النشيد دقات طبول الأمر الذي أعطاها لمسة حماسية أكثر وتم اعتماد “نشيد قسما” بلحن الفنان محمد فوزي ولمسة هارون رشيد نشيدا وطنيا بصفة رسمية للجزائر المستقلة سنة 1963.
نشيد قسما بدأ بفكرة في زنزانة وكتب بالدم، ومر بعدة مراحل ومحاولات حتى وصل إلى صيغته النهائية، ولم يتم اعتماده إلا بعد أن تأكد بأنه نشيد يعبر في كل تفاصيله عن “ملحمة وطن”، وبالتالي فلم تراع فيه أهواء فلان أو فلان، بل إنه قد اشترط أن يكون نشيدا لائقا “بوطن” وبتفاصيل ملحمة فبات نشيد وطن لا يتغير بتغير الرؤساء ولا بتغير السياسات ولا حتى بتعاقب المكائد والمؤامرات على الوطن، بل على العكس فقد كان آخر ما حدث هو تأميم النشيد الوطني مؤخرا بحصول الجزائر على حصرية تسيير النشيد الوطني بعد أن كانت الحقوق المادية الناتجة عنه كمصنف أدبي تدار من شركة فرنسية كانت تعمل بالجزائر وذلك كنتيجة حتمية لعدم وجود هيئة وطنية مماثلة عند إيداع المؤلف مصنفه.
النشيد الوطني من الفكرة إلى تأميم حقوق إيداعه قد أكد لنا بأن “المقدسات” هي من تفرض نفسها لتبنى عليها “الدولة”، وبالتالي فحبذا لو يكون دستور الجزائر الجديد مقدسا كنشيدنا ويمر بنفس المراحل التي مر بها النشيد كي يصبح “مقدسا”، وبالتالي فعلى الدستور أن يعد ليس فقط من خبراء القانون بل من الوطنيين، لأن الأشخاص الذين يقدسون الوطن هم أفضل من يتم استشارتهم لإعداد “دستور دولة” لا يتغير ولا يتم اغتصابه مرة أخرى، وعلينا في رحلة إعداد الدستور أن نؤمم بعض القوانين ونؤمم بعض الأفكار الخاصة بنا ولا نسمح بتسييرها من طرف “أطراف أخرى”، وعلينا أن نعد دستور “دولة” بما يمكن أن يحفظ الدولة على مر الأجيال وبما يليق بدولة لا دستور “مجاملة” نقبل فيه ما تمليه أطراف “باش ما تزعفش”، لأن الوطن هو دولة “قائمة” لا يجب أن نتخلى عما يضمن قيامها من أجل “أقلية” ما، ودستورنا الجديد يجب أن يراعى فيه “احترام الأقليات” لا ما يسمح لأقليات لأن تؤسس لمخططات وأطماع، وبالتالي فعلينا أن نعد دستورا “مقدسا” كنشيدنا أساسه تضحيات “الرجال” وآماله “مستقبل الأجيال”، لا دستور مجامــــلات نضطـــر في كل مـــرة لأن نرقعــــه بما يتماشى وكل “مرحلة”.

حمزة لعيربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق