العمود

نوفمبر غيرت مجرى التاريخ

تتملكنا الرهبة عندما نعاود قراءة التاريخ، وتصيبنا الدهشة ونحن نقلب صفحات الجهاد لرجال باعوا الدنيا واشتروا الآخرة، لأبطال رفضوا كل مساومة من أجل هذا الوطن وهذه الأرض الطيبة، لمجاهدين بصموا بالعشرة من أجل الموت في سبيل استرجاع كل أشبار هذه الجزائر العظيمة التي دنستها أقدام مجرمين سفكوا دماء الملايين من الجزائريين ظلما وعدوانا .
في كل مرة تحل علينا مناسبة نوفمبر العظيمة تعود بنا الذكريات لرجال الجزائر من خيرة شبابها كان ما يزال في ربيع عمره وقتها فقرر رفع السلاح في وجه أعتى قوة عسكرية في تلك الفترة، وفجر الثورة أمام دهشة واستغراب جنرالات فرنسا، كان أكبرهم لا يتجاوز الخامسة والثلاثين وأصغرهم دون العشرين تركوا أموالهم وزوجاتهم وأهليهم ووالديهم وأراضيهم من أجل تحرير البلاد من استعمار واستدمار غاشم ظالم فاجر فعل كل شيء من أجل البقاء .
قبل أربع وستين سنة قررت مجموعة من خيرة شباب الجزائر تفجير الثورة لأنه لم يقبل الاستعباد والذل والخنوع و قرر الرجال الأشاوس التضحية بأرواحهم وأموالهم وكل ما يمتلكون دفاعا عن الأرض والعرض والدين والشرف والكيان الحضاري للأمة الجزائرية .
قبل ستة عقود بدأت الجزائر معركتها التاريخية والحضارية ضد غزاة محتلين فروى شهداؤها كل شبر من أرضنا الطيبة بالدماء الزاكيات الطاهرات ليبقوا خالدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وستظل ذكراهم راسخة في ذاكرة الأجيال اللاحقة.
ستون حولا مر على اندلاع أعظم ثورة في التاريخ المعاصر ومع ذلك لا تزال هذه الثورة محافظة على قداستها وعظمة أبطالها من الشهداء والمجاهدين والرجال المخلصين.
بعد أربع وستون عاما هل يمكن القول بأننا لازلنا على العهد باقون؟ وهل يمكن أن نجزم بأن الجيل الجديد من أبناء الجزائر لا يزال وفيا لشهدائه وأبطاله وتاريخه؟
بعد اربع وستون سنة ما يزال يحز في نفوسنا عدم تسليم المشعل لجيل الاستقلال رغم الاعتراف المحتشم لجيل الثورة بذلك حيث لا يزال ينظر إلى المسالة بشيء من التوجس والحذر كما لو أن الجيل الجديد سيضيع الأمانة أو لا يقدر على حملها وهي نظرة أبوية تتكئ على شرعية التاريخ والثورة ولا يهم هدر الإمكانيات الناجمة عن هذا الأسلوب ورفض التجدد والتطوير مثلما لا يهم الشعور العميق بالتهميش والإقصاء الذي يحس به جيل الاستقلال كونه لم ينل فرصته من المسؤولية والتسيير .

آخر الكلام
بعد ستة عقود مازلنا نتحدث عن التاريخ فيما تواصل الأمم الأخرى كتابة تاريخها ونقله بأمانة لأجيالها لصناعة مستقبل زاهر ومتطور فنحن نتحدث ونثرثر وهم يكتبونه للأجيال القادمة.

حسان بوزيدي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق