إسلاميات

هكذا عالج الإسلام الانحرافات عن الفطرة السليمة السوية

قال تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف: 80-82]

 من منهج القرآن الكريم أنه حين يصبح الأمر ظاهرة يكون المنهج هو الإفصاح والبيان والعلاج، ففي المجتمعات التي يكون فيها الشذوذ حالات فردية يجب علاجها فرديا، أما إذا انقلب السلوك البشري السيئ إلى ظاهرة منتشرة فيجب علاجها علنا، فما كانت طبيعته الخفاء عولج في الخفاء، وما كان في العلن عولج في العلن، والعلاج هنا يجمع بين العلاج والوقاية والشذوذ الجنسي في عالمنا اليوم هو ظاهرة وليست حالات فردية، وخاصة أنه ينشئ له جماعات تدافع عنه، ومواقع تدعو إليه، وهناك رجال ونساء يتبنون فكرته، بل يسعون لترسيخه في المجتمع، ومن هنا كان من المهم مناقشة هذه الظاهرة علنا، والسعي لعلاجها بتضافر من المتخصصين في مختلف علوم الإنسانية؛ شرعية كانت، أو اجتماعية، أو إعلامية.

والشذوذ اختراع من قوم سدوم (بالأردن الآن)، وهي القرية التي سكنها سيدنا لوط -عليه السلام- حين هاجر إليها وترك عمه إبراهيم -عليه السلام- فلما سكن لوط -عليه السلام- وجد هذه الظاهرة منتشرة بينهم، وهم الذين اخترعوها، فلم يسبقهم إليها أحد، وسطر القرآن حكايتهم لتكون عبرة لغيرهم، وكأنه نوع من التنبيه على خطر هذا السلوك الانحرافي، قال تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 80-82].

ويبدو من الآيات كما سبقت الإشارة أن من كان يسكن سدوم وعمورة (في غور الأردن) هم الذين اخترعوا هذه الظاهرة المنحرفة، وأن شذوذهم اقتصر على نوع من أنواعه، وهو إتيان الرجال للرجال، ولهذا يسمى باللوطية نسبة إلى قوم لوط؛ لأنهم هم الذين اخترعوها، أما إتيان المرأة للمرأة فيعرف بالسحاق، كما يسمى إتيان الرجل دبر المرأة أيضا لواطا فدعاهم لوط -عليه السلام- إلى ترك هذه الفاحشة، إلا أنه لانتشار الظاهرة هددوه بالخروج، وكانت جريمته أنه هو وأهله قوم يتطهرون عن تلك الفواحش المخالفة للفطرة، وقد عاب عليهم هذا كما جاء في القرآن : {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 165- 166].

 

وفي التصدي لهذه الظاهرة كان المنهج الشرعي يعرض العلاج في عدة محاور:

محور الوقاية وذلك من خلال بيان خطورة ممارسة تلك الرذيلة، ووضع حائل بينها وبين ارتكابها من خلال منهج الترهيب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط». أخرجه أحمد، والحاكم وصححه ووافقه عليه الذهبي.

الثاني: بيان مخاطر هذا الفعل، ومن أهمه إنزال الله تعالى عقوبته في الدنيا على من فعله، كما حكى عن قوم لوط لما أصروا على الفعل فأهلكهم الله تعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت34-35].

وفي الشذوذ الجنسي وغيره الباب مفتوح للتوبة منه، والإسلام لا يجعل العقوبة مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة للزجر والردع، ولحفظ البشرية من الهلاك والفساد.

وجمهور الفقهاء على أن عقوبة اللائط هي عقوبة الزاني؛ فيرجم المحصن، ويجلد غيره ويغرب؛ لأنه زنا، بدليل قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32]، وقال تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف:80]، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان». أخرجه البيهقي.

وذهب المالكية إلى أن من فعل فعل قوم لوط رجم الفاعل والمفعول به، سواء كانا محصنين أو غير محصنين، وإنما يشترط التكليف فيهما، ولا يشترط الإسلام ولا الحرية.

وإن كانت هذه إشارات فقهية، فإني أرى أن منهج معاملة الشواذ هو:

أولا: بيان النصح والإرشاد والتوجيه، وبيان أضرار هذا السلوك نفسيا واجتماعيا ودينيا، حتى نزيل ما قد يكون هناك من لبس في أذهان البعض.

ثانيا: الوقوف على الأسباب التي تدفع الإنسان إلى ممارسة الشذوذ الجنسي، ودوافع مخالفة الفطرة الإنسانية، والسعي لعلاجها، أو اعتبار ذلك جزءا من العلاج.

ثالثا: قيام دور الإعلام الشعبي والرسمي ببيان مخاطر تلك الظاهرة؛ وذلك من خلال المداخل التربوية، كتفسير الآيات المتعلقة بقوم لوط.

رابعا: عمل برامج علاجية تتكون من نظرة علم النفس، وعلم الاجتماع والسلوك، وعلم الفقه، وعلم التربية، وغيرها من العلوم؛ لإخراج برنامج علاجي يعالج منه الشواذ.

خامسا: محاورة الشواذ والسماع منهم، والرد على الشبهات التي عندهم، وقد كان هذا منهج سيدنا لوط -عليه السلام- فحاورهم وبين خطأهم، وسمع منهم، لكنهم رفضوا السماع منه، بل طردوه؛ مما استوجب عقاب الله لهم.

سادسا: سن التشريعات التي تجرم مثل هذا الفعل إن وصل الأمر إلى القضاء، وليكن هذا التجريم مبنيا على علم الفقه، مع اتخاذ السعة في الرأي؛ لأن عقوبة الشذوذ مختلف فيها، فمنهم من يرى الحد، ومنهم من يرى التعزير، فيمكن اعتماد العقوبة التعزيرية التي قد تصل إلى عقوبة الزنا حسب الحالة الموجودة، وألا نسوي بين الحالات، فيكون هناك اجتهاد من القاضي مع من يسعون إلى نشر تلك الرذيلة بعد المحاولات السابقة معهم، وإصرارهم ليس على فعلها بل والدعوة إليها ونشرها.

سابعا: السعي للوقاية من انتشار تلك الظاهرة من خلال التربية الحسنة، ونشر ثقافة العفة والفطرة، وتشجيع الزواج وتيسير سبله؛ لأنه ما أغلق باب من حلال إلا وفتحت معه أبواب من الحرام .

مسعود صبري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق