العمود

هل تتوفر فينا شروط الديمقراطية؟

وجب الكلام

لست ممن يدعمون الديكتاتورية العمياء التي يمكن للحاكم فيها أن ينصب نفسه بطريقة فظيعة آلهة على الشعب لا رئيسا، ولقد رأينا أقبح صور الديكتاتورية في نظام بوتفليقة الذي أحاط نفسه بالعبيد من مستشارين ووزراء وسياسيين وحتى من مسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة و”شعراء بلاط” من الصحفيين والكتاب والفنانين ومن يدعون أنهم مثقفين لدرجة أن يقال “قبل مجيء بوتفليقة كنا ناكلو الحشيش” وأن يقال “علينا ببناء تمثال من الذهب فنسميه عزيز الجزائر”، ومثل هذه الأقوال والاقتراحات “الخالدة” لا توجد في نظري أو بالأحرى لا تخلق سوى في بيئة يسيطر عليها حاكم ديكتاتوري، أين تصبح المنافسة شرسة بين من “يطيع أكثر ومن يخنع أكثر” إذ أن الخنوع في هذه البيئة يصبح معيارا تبنى عليه الترقيات في مختلف المناصب.
في المقابل، لست ممن يدعمون منح الحرية المطلقة للشعب، خاصة إذا كانت البيئة التي يراد فيها تجسيد “الحرية” بيئة غير مهيأة للديمقراطية، وأقول هذا لأن الجزائر باتت بيئة تفتقر لشروط الديمقراطية، فالشعب الجزائري منذ أن خرج من سطوة الاستعمار وهو يعيش الأزمة تلو الأخرى، سياسية تارة وأمنية تارة أخرى، وأظن أنه بتوالي الأزمات تتولد ثقافة “العنف” وثقافة “الصراع” وثقافة “إقصاء الآخر”، ولا يمكن لبيئة استوطنتها الأزمات أن تكون بيئة للديمقراطية، لأن ما يجب أن يعقب الأزمات هي ثورة فكر وثورة تنشئة نفسية وأخلاقية للفرد كي يكون مهيأ لتقبل الآخر وبالتالي تنشئة جيل أو أجيال تتمتع بروح التشارك والتشاور وثقافة تقبل الآخر.
بما أن الدولة الجزائرية لم تحاول محو آثار أية أزمة من الأزمات التي مرت بها البلاد، وبما أن الدولة الجزائرية قد ركز أغلب “صناع القرار فيها” بعد كل أزمة على توزيع المناصب على “الموالين” للجهة المنتصرة بعد كل أزمة وبما أن الدولة الجزائرية قد ركز أغلب صناع القرار فيها على تقوية “الجبهة” السياسية المنتصرة” في غياب تام للاهتمام “بالشعب” فإن ذلك ما ولد فجوة كبيرة بين الشعب والسلطة، فأصبح الجسر الوحيد لوصول أبناء الشعب للسلطة هو “الشيتة” أو “المعريفة” أو “النفاق” لهذا فإن الديمقراطية باتت آخر الحلول للوصول إلى أي منصب في الدولة.
الدولة من جهتها لم توفر بيئة مناسبة لانتاش بذور الديمقراطية ولا حتى بيئة مناسبة لتكوين “الأجيال الصاعدة” فكريا ونفسيا وأخلاقيا، والشعب من جهته لم يكن عصاميا أبدا في تعلم أسس الديمقراطية وفي التقاط الفكر السليم والتحلي بنفسية تسمح له بتقبل الآخر والتعايش مع “الشعب” أي أن حتى “الشعب، لا يطيق الشعب”، وأسهل سبيل إلى ذلك التحلي بالأخلاق التي أمر ديننا أن نتحلى بها، وبين تعنت السلطة وابتعاد الشعب عن كل مقومات الديمقراطية تولد الصراع الذي لا يمكن أبدا أن يهدأ إلا بالاتفاق على نقطة واحدة وغاية واحدة وهي “تقبل الآخر”.
الحقيقة وبناء على ما هو ملاحظ في الواقع اليوم، فإننا بحاجة لمزيد من الوقت من أجل إرساء الديمقراطية الحقيقية، فلا يمكن أن نطالب بدولة ديمقراطية اليوم والخضار يفرض سلطته من موقع أنه صاحب “السلعة” ويجبر الزبون على اقتناء “الخضرة” على مزاج الخضار، أي أن الخضار الذي هو مواطن من الشعب “يطالب بالديمقراطية”، هو في نفس الوقت شخص ذو عقلية “متسلطة” يمارس التسلط على “زبون من الشعب”، وعون الأمن في أية وكالة من وكالات شركات “الاتصالات” يسارع إلى الآلة فور دخول أي زبون من أجل أن يخرج له “تذكرة الطابور” قائلا “انا نخرجلك انت ما تعرفش”، والأستاذ في المدرسة يجبر التلاميذ على اعتماد “طريقته” الخاصة في حل التمارين ويمنعهم من اعتماد أية طريقة أخرى وإن كانت صحيحة وبهذا يكون قد قتل روح الإبداع والاكتشاف لدى جيل كامل، وحتى النادل في المطعم يجبر الزبون على أكل “صدر دجاج” بدل “الكويس”، وغير ذلك من الأمثلة التي توحي بأننا شعب لم تتوفر فينا بعد شروط الديمقراطية، فما نفع المطالبة بدولة مدنية إذا كان “المتظاهر” من أجل استمرارية الحراك تحت شعار “دولة مدنية” يشهر “سلاحا أبيض” في وجه شخص آخر بجانبه يطالب بإجراء انتخابات؟ أظن أن الدولة المدنية لن تكون سوى بوقوف شخصين مختلفين في الرأي في مكان واحد دون أن يجرح أحدهما الآخر ودون أن يهدد أحدهما الآخر، أما الآن وكل “مواطن” يرغب في فرض رأيه بشتى الطرق حتى وإن كان بالسب والتهديد بالقتل فذلك ما يعني أن شروط الديمقراطية عندنا لم تتوفر بعد، وبالتالي فدولة تضمن “الأمن القومي” وأمن البلاد والعباد وتضمن الحفاظ على السيادة الوطنية “بقوة الدولة” أفضل من دولة تتيح مبدأ “الشعب ياكل بعضاه” تحت مسمى “الديمقراطية والمدنية”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق