العمود

هل نستطيع؟

أظن أنه قد حان الوقت لأن يتبنى المواطن سياسة خاصة به لأن الواقع قد فرض منطقه وأصبح الاتكال على مؤسسات الدولة في جميع المجالات أمرا نتيجته واضحة ملخصة في عبارة “ما تعولش على الدولة”، خاصة فيما يتعلق بمناصب الشغل والمشاريع التنموية وبعض الأمور الثانوية التي يمكن للمواطن أن يقوم بها دون اللجوء إلى مؤسسات الدولة.
في محاولة لإيجاد حلول ممكنة لإخراج كثير من البلديات ومناطق الوطن من العزلة والتهميش والفقر التنموي، اقترحنا مرة إنشاء صندوق تضامني في كل قرية أو في كل منطقة يتم تمويله من تبرعات المواطنين، يكون هدفه الأساسي تقديم إعانات للمرضى وإعانات للمحتاجين وكذا المساهمة على الأقل في حل بعض المشاكل التي يعاني منها المواطنون كترميم الطرقات وإصلاح مضخات المياه الخاصة بالمناقب التي تزود قرية أو منطقة ما، وغيرها من الأمور التي يقف عندها المواطن عاجزا في كثير من الأحيان ينتظر “تدخل مؤسسة من مؤسسات الدولة” دون جدوى.
في كثير من قرى ولاية باتنة، هناك ما يسمى بصندوق العزاء، يتم تمويله من تبرعات المواطنين عند كل وفاة، وتختلف التبرعات حسب عدد أفراد العائلة الواحدة، والحقيقة أنه عند كل وفاة يتم جمع ما مقداره عشرة ملايين سنتيم أو أكثر حسب عدد السكان بالقرية أو المنطقة، والجميل في الموضوع أن عند وفاة أحد لا يتأخر أي مواطن أو رب عائلة عن تقديم التبرعات، لكن المؤسف هو أن تكون الرغبة في التبرع ملحة ومشتعلة عندما يتعلق الأمر بالوفاة ولا تكون كذلك عندما يتعلق الأمر بشيء آخر في صالح القرية أو المنطقة، لأن الثقافة المنتشرة عند المواطنين هي ثقافة الاتكال والاعتماد على الدولة حتى في أبسط الأمور.
لو أن المواطن اليوم يتحلى بثقافة التضامن والتآزر في كل الأمور ولو تمت تربية الأطفال على مثل هذه الثقافة لاستطعنا خلال وقت قصير إنشاء جيل يفكر في الخروج من “التبعية للدولة” حتى في البديهيات وليس الخروج من الوطن، فاعتمادنا الكلي على الدولة قد جعلنا نضرب أخماسا بأسداس عندما تتماطل مؤسساتها في إيجاد حلول تنموية في منطقة ما، ولو تضامننا من أجل أن نضمن حياة أفضل لمجتمعنا بنفس الطريقة التي نتضامن فيها في “الوفاة” لاستطعنا أن نجعل للحياة في مجتمعنا معنى.
كثير من البلديات نعتبرها اليوم نموذجية، وهي لم تكتسب ما اكتسبته خلال فترة قصيرة من الزمن إلا من خلال تكريس ثقافة التضامن، فلا يستطيع أحد أن ينكر بأن مواطنيها تضامنوا وتكاتفوا من أجل أن تكون مدينة نظيفة، ومن أجل أن تبدو واجهتها حضرية وحضارية رغم أنها تشبه في مناخها وفي طبيعتها جل البلديات، لكن طبيعة المواطن فيها اختلفت عن طبيعة المواطنين في المناطق الأخرى، لا لشيء سوى لتوفر رغبة ملحة في التطور والنهوض بها، فقد بدأت الفكرة من المنافسة على لقب أنظف بلدية، حتى أصبحت ثقافة تطورت من الحرص على جعلها نظيفة إلى الحرص على جعلها نموذجية، فحتى من لم يكن يلقي بالا إلى النظافة يصبح حريصا على أن يبدو راقيا بمجرد دخوله للمدينة، لأن البيئة هي التي تفرض منطقها، ولكي نحصل على بيئة نظيفة وحضارية فلابد من خطوة شجاعة في سبيل ذلك، فهل نستطيع أن نخطو بنفس الخطوة الشجاعة في كل مناطق الوطن؟

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق