وطني

هل يُصلح بدوي ما “أفسده” أويحيى؟

ظرف وجير لمباشرة اصلاحات عميقة

ليست المرة الأولى التي يأتي فيها الذِكر على وزير الداخلية نور الدين بدوي لتولي إدارة قصر الدكتور سعدان، فكثيرا ما طُرح اسم ابن مدينة تقرت لتولي مقاليد الوزارة الأولى في السنتين الأخيرتين بنفس الحدة مع زميليه في الحكومة، وزير العدل حافظ الأختام الطيب لوح، ووزير الصناعة والمناجم يوسف يوسفي، حيث ظلت أسماء هؤلاء الثلاثة تتأرجح في كل مرة يعود فيها الحديث حول رحيل الوزير الأول أحمد أويحيى.

تحوّلت تخمينات الأمس القريب إلى واقع ملموس بتكليف وزير الداخلية والجماعات المحلية وتهيئة الإقليم نور الدين بدوي وزيرا أول خلفا لرئيسه السابق أحمد أويحيى، ولم يكن الخبر ليلفت إليه الاهتمام سوى من ناحية الظروف المحيطة بهذا التغيير على هرم قصر الدكتور سعدان، وهي ظروف “خاصة” قادها بشكل كبير الحراك الشعبي العارم ضد مشروع “الاستمرارية” وثني الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة عن طلب “الخامسة” ليلة أمس الأول.
ويجد الوزير الأول الجديد نفسه محاطا بظروف غير التي تقلد فيها زملاؤه من قبل نفس المنصب منذ استحداث منصب الوزير الأول قبل عقد تقريبا، حيث يأتي تولي نور الدين بدوي مكتب الدكتور سعدان تحت حراك قوي في الشارع يطالب بإصلاحات عميقة وكبيرة على “السيستام”، وهي أول مهمات الوافد الجديد على قصر الحكومة، حيث من المنتظر أن يلجأ بدوي إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية تلقى الإجماع السياسي وسط الموالاة والمعارضة إلى جانب “رضا” عنصر جديد يصنعه الشارع، صاحب الفضل الأكبر في التعجيل بتقليد السيد بدوي منصب الوزير الأول، الأمر الذي سيجعل من حسابات خريج المدرسة العليا للإدارة في غاية الدقة، سياسيا واجتماعيا، على أن تبدأ “ثمار” المرحلة القادمة في النضج مبكرا من خلال إحداث التوافق بين العناصر الثلاثة: الموالاة والمعارضة والشارع.
ويملك بدوي على عهده الجديد بالوزارات السيادية “الداخلية والوزارة الأولى” مجالا لتحقيق التوافق من خلال تبنيه مقاربات شبيهة بتلك التي ظل يتبناها في وزارة الداخلية من حيث الدعوة إلى الحوار الجاد والخوض في جميع الملفات الساخنة بهدوء وثقة متبادلة، جعلت من قطاع الداخلية “ينعم” في عهده بالاستقرار المقبول بالنظر إلى الهزات الاجتماعية التي عرفتها البلاد في الخمس سنوات الأخيرة.
ويحظى الوزير الأول بخلاف سابقه بحركة ديناميكية ميدانية جعلت منه مسؤولا قريبا من نبض الشارع بحكم خرجاته الميدانية تحت مظلة وزير الداخلية، مكنته من الاطلاع عن قرب وعن كثب بتوجهات الشارع، وخاصة الشباب منه على وجه التحديد.
وتذهب مصادر من محيط بدوي إلى اختيار فريق حكومي جديد يتراجع فيه منسوب “الشيب” على طاقمه، في رسالة استباقية للشارع فحواها أن السلطة تراهن على اختيار الشباب لفهم وتحقيق مطالب الشباب “المنتفض” في الشارع، لكن دون أن يمنع ذلك من تواجد من يملكون الخبرة على اعتبار أن الحكومة القادمة ستكون بمثابة حكومة “إنقاذ وطني” أو حكومة “تطلعات” لاحتواء توجهات الأجيال وبنسبة أكبر الجيل الشبابي الحالي، من حيث فضاءات الحرية والتعبير، والبناء، وأيضا تحمل المسؤوليات، إلى جانب ترجمة الحكومة “الموعودة” لوعود الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وأولها مشروع الندوة الوطنية الشاملة التي تعهدت السلطة بشأنها أن تكون بمثابة أول اللبنات المؤدية لميلاد “الجمهورية الثانية”.
ويسارع الوزير الأول الجديد إلى ربح معركة الوقت في تسمية أعضاء حكومته وانتقاء وجوهها بمعايير تراعي ربما لأول مرة “ذوق” الشارع المنتفض ضد ما هو قديم شكلا وأسلوبا، لدرجة سيحتاج معها الوزير الأول نور الدين بدوي “تزكية شعبية” أكثر منها سياسية عبر غرفة البرلمان المطعون في شرعيته من وجهة نظر الشارع.
ورغم الوضع الحساس الذي ستتمخض عنه الحكومة المرتقبة يملك “صاحب المهمة” الجديد بدوره أوراق رابحة من شأنها أن تنتزع ثقة الشعب قبل الطبقة السياسية، بسلوك الوزير الأول نور الدين بدوي أقصر الطرق إلى تحقيق الإصلاح والآمال المعقودة، وهذا عبر انتهاج المصداقية وترجمة نوايا السلطة في فهم صوت الشارع حرفيا ومرافقة الشباب دون تهميش أو إقصاء إلى أفق أرحب ومستقبل واعد لا يبدو أبدا مستحيل التحقيق أمام العبقرية الجزائرية.

عبد الرحمان ش

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق