مواسم البوح

همسة: الحداثة!

الحداثة.. ! لفظٌ مشرقٌ له في الأذن وَقْعٌ وفي النّفس دبيب كدبيب الخمر، حين يشربها شاربها وهو يلقي بالدنيا من وراء ظهره، وهي في مدلولها اللّغوي تعني الجِدّة والإبداع، ومسايرةَ العصر، والإتيان بكلّ جديد، وليس بالضرورة أن تعادي القديمَ أو تخاصمه.

لكنّ الحداثة في مدلولها الاصطلاحي وبالنظر إلى خلفيتها التاريخيّة، فإنّها تعني الثورة على كلّ ما هو قديم ونبذه ظهريّا حتى وإن كان حسنا أو بدا لأهله أنّه حسن، فيكفي أنّه قديم ينتمي إلى زمن صار  أثرا بعد عين، وخبرا بعد مشاهدة، فإذن الحداثة في جوهرها مخالفة القديم ورفض التمسّك بأهدابه، لأنّه مضى وانتهى وبليت أوشاجه وما عاد صالحا لهذا العصر أو لائقا به.. !

ولأنّ الحداثة واكبت الثورة الصّناعية في أوربا وجاءت على شكلِ ردّة فعل، لطغيان الكنيسة واستبدادها، ومحاولتها كبت كلّ إبداع أو جديد مخالف؛ كانت الحداثة في دلالتها العمليّة ثورة جارفة على كلّ تراث الأقدمين، ومعول هدم لكلّ القيم والأخلاق المتعارف عليها، بل سعت إلى كسر كلّ أشكال الفنون القديمة ومحاولة إعادة تشكيلها من جديد، أو بالأحرى محاولة إلغاء الأطر الفنيّة التي تمايز هذه الفنون عن بعضا بعضا، وما عاد الشعر كما هو الشعر الذي نعرفه بوزنه وعروضه وقافيته، ولا بقيمه وأصالته ورساليّته.

وكذلك النثر  أُحدِث فيه انقلاب جذري، فصار معول هدم بعدما كان أداة بناء للمجتمع وغدا يعبّر أكثر عن النوازع النّفسيّة الشاذة والقيم الهجينة، وتداخلت أنواع الفنون، وأُعلِن عن تحطيم الحواجز بينها، فيمكن للشعر أن يكون نثر ا، وللنثر أن يكون شعرا.. !

وأمكن للعبث أن يُسَمَّى فنّا وللجهل أن يُعَدَّ تعبيرا لا شعوريّا عن أعماق الذّات، وأمكن كذلك لكلّ تهجّى الحروف أن يدّعي أنّه كاتب أو مبدع فنّان .. ! فلا مقاييس ولا ضوابط ولا قيم، ولكلّ مدعٍ أن يثبت صحّة دعواه بمجرّد الإدّعاء.. !

وبسبب تيار الحداثة الجارف (المتعسّف) صار الذي لا يعرف أبجديّات اللّغة ولا يُميّز بين الجملة الاسمية والجملة الفعليّة، يزعم أنّه شاعر وتُطْبَعُ له دواوين من الهَذَر .. !.

عبد الله لالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق