مواسم البوح

همسة: النّقد في العصر الجاهلي (02)

– ومما يدلّ على نقدهم الشديد للنثر أنّهم في العظائم من الأمور ينتدبون خطباء للحديث باسم القبيلة، واشتهر منهم خطباء معروفون تُعطى لهم الكلمة ويقدّمون على غيرهم في المحافل، وتحفظ خطبهم وتروى، ومن أولئك الخطباء يمكن أن نذكر: (قسّ بن ساعدة الإيادي/ أكثم بن صيفي/ الحارث بن عبّاد /كعب بن لؤي / وأبو طالب عمّ الرّسول صلى الله عليه وسلّم.. وغيرهم كثيرون).

وقد عُرف قسّ بن ساعدة بخطبه الوعظيّة، وعُدّت من بليغ الخطب وأعلاها فصاحة، وصُنّفت من عيون الأدب العربي، ولو كان في هذا العصر لقال ( الحداثيون !! ): هذه خطب دينية لا علاقة لها بالأدب ( يعني تطبيق العلمانية حتّى في الأدب )، ومما أثر من خطب قسّ بن ساعدة خطبة عالية السّند ذهبيّة المتن، لأنّه رواها أصدقُ رجل على وجه الأرض منذ خلق الله البشر، محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد قال

” مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفا على جمل أحمر يخطب الناس ويقول:

”    أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَات، وَمَنْ مَاتَ فَات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آت.. مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات، لَيْلٌ دَاج، وَنَهَارٌ سَاْج، وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تَمور، وبحار لا تغور، وَنُجُومٌ تَزْهَر، وَبِحَارٌ تَزْخَر.. إِنَّ فِى السَّمَاءِ لَخَبَراً، وإِنَّ فِى الأرضِ لَعِبَراً، مَا بَاْلُ النَّاسِ يَذْهبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون؟! أرَضُوا فَأَقَامُوا، أمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟.. ”  إلى آخر الخطبة المعروفة “رواه الطبري.

وقد جعله العرب أخطبهم وخصوه بميزات لم تكن في غيره، حتى قالوا أنّه أوّلُ من قال: أمّا بعد، وأنّه أوّل من اتكأ على عصا وهو يخطب. وجعلوه حكيما من حكمائهم، رغم أنّه لم يكن على دينهم، وكان يدين بدين التوحيد، دين إبراهيم عليه السّلام، ولكن لإنصافهم في النّقد و(موضوعيّتهم فيه) جعلوه أكبر خطبائهم، ولم يقولوا هذا رجل دين لا شان له بالأدب والإبداع!..

عبد الله لالي

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق