مواسم البوح

همسة النّقد في العصر الجاهلي ( 03)

– ومن ضمن النقد الذي كان في العصر الجاهلي أن يبدأ الشاعر بنقد شعره، قبل أن ينقده غيره فيصفيه ويغربله حتى يرضى عنه تمام الرّضا وحينها يخرجه للنّاس، وعُرف بذلك زهير بن أبي سلمى، وكان يقال لشعره شعرَ الحوليات، لطول ما تبقى عنده القصيدة يُجوّدها في نفسه حتى تبقى الحول الكامل، وقد قيل أنّ الشاعر ينظم قصيدته في أربعة أشهر، ويهذّبها في أربعة أخرى، ويعرضها على خاصّة الشعراء في الأربعة الباقية من الحول، ثم يقرأها على النّاس، وهذا المنتهى في الغربلة والنّقد .. !

–وكانت القبيلة أوّل من يعرف الشاعرَ فيها من غير الشاعرِ، فإذا عرفوه وشهدوا له بالشاعرية؛  احتفوا به وأقاموا له الولائم وأعلنوا ذلك في النّاس، وأخبروا أنّه وُلد فيهم شاعر (وكان ذلك بالنّسبة للشاعر أعظم من جائزة نوبل اليوم).

5 -ومن قوّة النّقد في العصر الجاهلي أن يلزم الشاعر الناشئُ شاعرًا آخر معروفا ومتمرسا يحفظ شعره ويروي عنه، ولا يُظهر شعرَه إلا بعد أن يتمرّس بحفظ ورواية شعر غيره، فإذا أنس من نفسه مُكنة وقدرة على قول الشعر الجيّد؛ عرضه على غيره من الشعراء المقتدرين وسألهم الإجازة.. فلا يقول ولا ينشد حتى يقال له: أنت شاعر، فقل.

ومن ذلك ما عُرف من نصب قبّة من أدم حمراء للشاعر (النّابغة الذّبياني)، فيأتيه الشعراء ليعرضوا عليه شعرهم ويحكم عليه بالقوّة أو الضّعف، بالجودة أو الرّداءة، وقد دخل عليه الأعشى وأنشده شعره، ثم دخلت عليه الخنساء فأنشدته قصيدتها الشهيرة في أخيها صخر، والتي منها قولها:

وَإِنَّ صَخرًا لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِـهِ * * كَأَنَّهُ عَلَــمٌ فـي رَأســِهِ نــارُ

فأعجبه شعرها ولكن كان شعرُ الأعشى أجودَ وأمتن، فقال لها بكل صدق وموضوعيّة:

” لولا أنّ أبا بصير (الأعشى) أنشدني قبلك؛ لقلت أنّك أشعر النّاس”، فرغم أنّ المرأة كانت مستضعفة عندهم ومُهانة إلا أنّ ذلك لم يمنعه من أن ينقد شعرها بكلّ نزاهة وصدق.

عبد الله لالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق