مواسم البوح

همسة: طبقات الشعراء

قيل قديما: ( الشعراء فاعلمنَّ أربعه – فشاعر لا يُرتجى لمنفعه – وشاعر ينشط وسطَ المعمعه وشاعر يجري ولا يُجرى معه وشاعر يجب أن تصفعه )، وهذا لعمرك النّقد الدقيق والتتبع العميق، لكلّ فلتة لسان أو نفثة صدر، وبعد ذلك يقال أنّ النّقد أتت به المدرسة الغربية تحمله.. !
فالشعر عند العرب هذرا وتشدُّقا بالألفاظ، بل هو كلام مُحْكَم جميل، يسبي ويسحر، ولذلك قسّم النّقادُ الشعراءَ إلى طبقات، فجعلوا بعضهم في الطبقة الأولى، بمعنى أنّهم بلغوا ذروة الإبداع الفنّي، ومن أولئك امرؤ القيس والأعشى والنّابغة وزهير بن أبي سلمى، وكلّ شعراء المعلّقات السّبع أو العشر، وجعلوا أيضا من الشعراء أصنافا ومراتب، فهناك الشاعر الذي (يجري ولا يجرى معه)، فهو مثل جرير كما قيل: “يغرف من بحر”، فهو شاعر بلغ مستوى عالٍ جدًّا يصعب ارتقاؤه إلا للأفذاذ من أقرانه.
ومرتبة ثانية هو الشاعر الذي (ينشط وسط المعمعة) إذا كانت حرب أو مساجلة أو ما يدعو إلى الحماسة ثار ونثر كنانته فأبدع، وفي غير ذلك لا ينشط للشعر، ولا يطاوعه فكان أقلّ درجة، وأنزل مرتبة.
ومرتبة ثالثة لشاعر متشدّق لا تأخذ من شعره غير الألفاظ، والصّناعة الشعريّة فهو متصنّع متكلّف، يحسن صوغ القصيد (شكلا)، لكنّه لا يأتي بطائل، فلا ينقع غلّة ولا يبلّ صدى.
وشاعر رابع، كلامه سخيف وشعره غثّ لفظا ومعنى، فهو يقتحم ساحٍ ليست له بمجال، ولا يصمد في سجال، فلا هو حاز اللّفظ ولا أجاد في المعنى، فكان حقيقا بأن يُصْفَع، بل ويركل ويبصق في وجهه.. !
ولكي تكون شاعرا مُجيدا ينبغي أن تحوزَ الأمر من طرفيه؛ فتجمع بين المعنى والمبنى، وتكون مثل تلك الجارية التي كانت على ضفّة نهر فسمعت الأمير يقول لوزيره: (صنع الرّيح من الماء زرد)، أَجِزْ، فعجز الوزير، وابتدرته الجارية قائلة: (أيّ درع لقتال لو جمد .. ! )، فنقلها شطر من بيت شعر من مرتبة (الجارية) إلى مرتبة (الأميرة).
عبد الله لالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق