مواسم البوح

همسة: وظيفة المدقّق اللّغوي

اللّغة بالنّسبة للنّص الإبداعي قالب جوهري لا يمكن الاستغناء عنه أو إهماله، وقد ظهر في العصر الحديث بظهور المطابع وانتشارها بشكل رهيب؛ ما يسمّى بــ (المدقّق اللُّغَوي)، وهناك من يسمّيه المصحّح اللّغوي، وهي تسمية تتجاوز حدود وظيفة المدقّق اللغوي. لأنّه لا يجوز لأي مبدع أن يكون سيّئا في التحكّم في اللّغة، وينتظر من يقوّم له هذا الاعوجاج.. !
بعض المبدعين يكتب نصّه كيفما اتفق، ويطلق العنان لقلمه، فيَعيث في اللّغة فسادا، ولا يقيم لقواعدها وزنا، وبعد ذلك عندما يريد طبع متنه الإبداعي؛ يطلب (مصحّحا لغويّا)، ويظنّ أنّه سيعيد إنتاج نصّه، وإخراجه خلقا آخر سالما من كلّ عيب، ونقيّا من كلّ شائبة، وربّما التمس منه أن يغيرّ له في العبارة ويصحّح له خلل الأسلوب أو ضعفه.. !
ليس ذلك دور (المدقّق اللّغوي) وليس (المصحّح اللّغوي )، لأنّه لا يوجد المصحّح اللّغوي في الإبداع، ولا ينبغي أن يكون فيه شركاء، المصحّح اللّغوي يكون مع الطلبة الناشئين، والتلاميذ المبتدئين، يعلّمهم ويأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان، بعد أن يضع القاطرة على السّكة الصّحيحة، أمّا المدقّق اللّغوي فدوره يقتصر على تصحيح ما سها عنه المبدع أو زلّ به قلمه، وإذا نبّه إليه انتبه، أو عُرّف به فيعرفه، وليس هو بالغريب عنه.
وقد كان صاحب مجلّة الرسّالة (حسن الزّيات)، رحمه الله تعالى، يدقّق لكبار الكتّاب ورواد النهضة الأدبيّة أمثال العقّاد وطه حسين والرّافعي والمبارك وغيرهم من عمالقة الأدب والثقافة والفكر، وكان يصوّب لهم بعض الأخطاء التي يستبعد أن يجهلها أمثالهم، فالكاتب حينما تستغرقه العمليّة الإبداعيّة بحيث يكون تركيزه الأكبر على الفكرة أكثر مما يركز على شكل الكلمة أو الجملة، فهو يكتبها بشكل آلي، فيندّ عنه القلم أحيانا، ويسطّر غير الذي قصد وأراد.
وهنا يأتي دور المدقق اللّغوي الذي يتدارك على المبدع ما يكون فاته أو سها عنه، ليقدّم النّص إلى القارئ في أكمل صورة ممكنة.. !
عبد الله لالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق