العمود

هواجس روائية صوت أول:

التفكير بصوت عال

تعرف يا الشيخ أن الوضع الأمني للبلاد سيئ جدا. سنقول إن الحال هي ما هي عليه منذ العهد الروماني. المهم أننا كما قالها أحدهم إن خرجنا من حالة الطوارئ ضعنا.

(هذه قالها جاك أطالي الجزائري)

لهذا تجدنا نتحلاط دوما وفي كل شيء بشكل غير رسمي. أعتقد أن الدماغ كالبيت يأوي كثيرا من المعلومات التي قد تهم الجهات الأمنية. وبعض هذه المعلومات متعلق بالسلك الأمني أصلا.

أنت كاتب معروف والشخصيات تبوح لك بكل شيئ. وهذا تمرين خطير جدا.

(هل هو تحقيق أمني أم عمل نقدي؟)

ليست الحياة مسألة تلاعب بالكلام. جدتي تتلاعب باللغة أحسن مما يفعل جل الكتاب مع احترامي للكتب الكثيرة التي تثير جدلا موسميا.

بيننا فقط: سمعت عنك كلاما حول إمكانية أن تكون قد أخذت مادة بعض أعمالك من حيوات المحيطين بك. كان ذلك موضوع تحقيق أمني حول شخص الكاتب المحترم والمهاب معا. وحينما قرأت ذلك فهمت شيئين: الأول أنك مزعج للدولة لأن لدولة لا تفبرك تقارير أمنية إلا لمن تخشاهم من المواطنين…والأمر الثاني الذي فهمته هو أنك كاتب جيد لأن التقرير كان مليئا بالأكاذيب والجميع يعرف التقرير من ديباجته.

(هو تحقيق امني إذن؟)

صوت نقدي 2

بل تحقيق أدبي. أنا ناقد والناقد شرطي مكلف في الحقيقة بالقبض على المعنى. لا تضخك ولا تبتسم يا سيدي. هي الحقيقة العارية.

دوري في النهاية هو إخراج ما يستتر خلف تسميات  أخرى إلى دائرة العلن. ما أفعله هو إخضاع الأحاسيس إلى صور توضع في ملفات مغلقة نفتحها عند الحاجة. إنه كشف المستتر والمضمر والمقدر تقديرا. لذا أقول لك هو تحقيق أدبي.

(هو تحقيق أدبي إذن؟)

ما يحدث هو الشك في الشخصيات. ما تكتبه ومن يزورونك في المخيلة قد يشكلون خطرا على المخيال الوطني. وهذه مسألة أمنية كما تعلم أيها السيد العالم المتعلم المعلم.

(هو تحقيق أدبي إذن)

-في الكتب السابقة تم ذكر الزطلة والاغتصاب والعلاقات الجنسية غير المشروعة. لا نريد لكتاب جزائري أن يتحول إلى وكر دعارة.

-رجال الأمن في تاريخنا واقفون دوما يسهرون على سلامة العيش.

-كيف؟

-ما هي سلامة العيش؟

-ألا يموت الناس

-ولكن الناس يموتون بالضرورة

-ألا يزعزع استقرار البلد

-ولكن البلاد لم يحدث لها أن استقرت…لا بلاد في العالم مستقرة. حالة الطوارئ الوحيدة الواردة هي غياب حالة طوارئ. نحن في حالة طوارئ منذ قرون… تعودنا عليها…وصرنا نخشى أن نخرج منها.

-هذا كلام والتر بنيامين

-هذا كلام الحقيقة. لا أعرف هذا الشاعر

-هو فيلسوف سياسي وليس شاعرا؟

-وهل يوجد شاعر بعيد عن السياسة وعن الفلسفة؟

صوت نقدي (3)

-وولتر بنيامين ليس شاعرا…هو فيلسوف… كان يرى أن التاريخ ما هو إلا حلقة مستمرّة من حالات الطوارئ والوضعيات المستنفرة، و بذلك فإن حالة الطوارئ – على خلاف ما هو شائع – هي القاعدة وليست استثناء. والغالب هو أنه معه حق فيما ذهب إليه.

-كلامه صحيح ولكن لهجتك وأنت تقول ذلك لا تروقني يا كاتب.

-هل الحقيقة تتأثر بالرنات الصوتية؟

-الحقيقة مسألة نبر وتنغيم أيضا.

-صرت ناقدا أدبيا. حذار من فقدان صفتك الأمنية.

-البلاغة والنقد أيضا جزء هام من حالة الطوارئ. ونحن نحرص على التاريخ الوطني لكي لا تفسده الشخصيات التي تزورك في هذا النصوص المشبوهة.

-دعنا من الشبهات، ولنفكِّر في التاريخ: أليس كرنفالاً مستمراً من احتفالات المنتصرين المنتصبين على المنصات في الساحات العمومية؟  نشوة الفوز والتغلب على مهزومين لا بد منهم لتمام هذا الفلم. أليس صحيحا هذا؟ ؟ ثم أليست النتيجة الطبيعية هي أن يعيد الأخيرون ترتيب صفوفهم لإعادة اعتلاء هذه المنصة في دورة تاريخية أخرى؟ السلم وهم، ليس أكثر من وهم.  الغالب عندي أن مهمتك وهمية فقط يا صديقي المحقق. املأ أوراقك بأي شيء وعد إلى بيتك لأكل البطاطس المقرمشة مع زوجتك المهزومة وتفرجا على أكذوبة الأمن والسلم في التلفزيون …التاريخ حلقة لولبية من القلق والاضطراب، وما الهدوء فيه إلا “عارض” لا يدوم.

-لقديمون مخطئا صاحبك هذا…ليس كلامه قرآنا.

-(هو فعلا تحقيق امني… لماذا تنكر؟)

-طبيبتك تقول بأنك مصاب بالقلب.. داء الفنانين والمثقفين.

-هذا يجعل منه مرضا صحيا

-كبف مرض صحي؟ أليس هذا تناقضا؟

-ألا زلت تقف موقف المعجب من التناقض؟ بعد كل ما رأيته في حياتك؟

-هي ممانعة فقط

-هذا الجزء لم بتغير فيك يا صديقي.

-يروقني أنك ترهلت. رجال الأمن يترهلون بشكل فاضح يقل عنفهم وتقل شتائمهم ويتكاثر على لسانهم الكلام المنطقي. الحقيقة تكسر أجنحتنا وتجعلنا نشعر بالذل.

-وجهة نظر فقط.

-ماذا يحدث عندما يكون كل شيء مسجلا؟

-سوف نحجز كل ما في البيت. وكل ما في الدماغ.

-ماذا لو تفلت التسجيلات؟

-سنلاحقها في أذهان قرائك.

-بعضهم داخل جمجمته متاهة حقيقية.

-نملك الوقت والمال والإعلام ونسيطر على القوانين التي تنظم الفضاء العمومي كله. ماذا يبقى لك؟ الخيال؟ ليس شيئا سنطوقه حيثما هرب.

-هل ستعتقلونني؟

-أنت مريض ..سيتكفل بك المرض.

-هل ألغي زياراتك السابقة من مخيلتي؟ ماذا عن الوثائق التي أعطيتني إياها؟

-سوف أسترجعها لاحقا… بعد انتهاء التحقيق.

-إذن أعتبرك صديقي إلى غاية غلق التحقيق؟

-نعم يناسبني ذلك…ثم لا تنس أننا أصدقاء قدامى. ما بيننا لا يقف في وجهه شيء.

-صرت مترهلا وطيبا وإنسانيا.

-أخشى أنني لا أحب سوى الإنسانية…أما الناس فتعودت على عدم الالتفات صوبهم كثيرا.

-وجهة عدم نظر

-سوف أعود غدا

-أليست طبيعة هذا الحوار وهذه المداهمة هي السرية ثم الهجوم بسرعة وضرب الحديد وهو ساخن؟

-نثق فيك.

-هل أنك تنبهني فقط؟

–        …

-أهي إشارة تنبيهية؟

–        …

-سوف اكتبها على أساس كونها إشارة تنبيهية.

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق