إسلاميات

وجوب كتابة الدين لا يتعارض مع قاعدة التيسير ودفع الحرج

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا..} سورة البقرة الآية 282

لقد تجدد النقاش حول حكم كتابة الدين في العصر الحديث حيث ذهب عدد من العلماء المعاصرين إلى وجوبه ودعوا إلى إعادة النظر في الموضوع بعد أن استقر القول على أنه مستحب وليس بواجب ومن المعلوم أن القضية اختلف فيها الفقهاء في القديم وذهب أجلة من الأعلام خلاف رأي الجمهور.
ولعل الشيخ محمد عبده أول من أحيا القضية ونهض بتأييد ومناصرة الرأي القائل بالوجوب في العصر الحديث وتبعه تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمد الطاهر بن عاشور وهو مجدد الفكر المقاصدي في العصر الحديث وجملة من العلماء.
وكان النقاش في الماضي مبنيا على القواعد الأصولية من دلالة صيغة الأمر ونسخ الحكم والآثار المروية والعمل المنقول.
إلا أن الطرح المعاصر جاء في ثوب جديد من الاستدلال ، وذلك بناء على مقاصد التشريع الإسلامي والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية وفقه المآلات، وقد جاءوا بكلام يكشف عن روائع التشريع الإسلامي.
يرى الشيخ محمد عبده أن وجوب كتابة الدين لا يعارض مع قاعدة التيسير ودفع الحرج كما زعم القائلون بعدم الوجوب بل إن دفع الحرج هو في الوجوب ذاته.
يقول: إن هذا الضيق والحرج في بادئ الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر فإن التعامل الذي لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذ ا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان فإذا ارتاب المتعاملان واختلفا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منهما الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرا ويرميهما بأشد الحرج وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.
وفكرة المآلات واضحة جدا في عبارة محمد الطاهر بن عاشور: لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة، لئلا يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة.
فيقول: ثم إن وراء هذه المصلحة الخاصة في كتابة الدين مصلحة عامة وهي جعل المسلمين أمة كتاب ونظام ، الإسلام بدأ بالعرب وهي أمة أمية وقد امتن عليها بالرسول الذي علمها الكتاب والحكمة ففرض كتابة الدين عليهم هو من وسائل إخراجهم من الأمية .
وقد أضاف الشيخ ابن عاشور حكمة أخرى فقال : ويظهر لي أن في الوجوب نفيا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يَعد المدينُ ذلك من سوء الظن به، فإن في القوانين معذرة للمتعاملين.
ويمكن أن يضاف إلى كلام الشيخ أن عقد المداينة وهو أشبه بعقود الإرفاق والإحسان حيث لا تتعلق للدائن منفعة بل يؤدي إلى المخاطرة فإن هذا العقد في غالب الأحوال يجري بين أهل الصلة والقرابة ولذلك يشق على المرء أن يطلب من ذوي قرابته أن يقوم بالتوثيق الخطي كما يضيق بذلك صدر المدين حيث يشعر أن قريبه لا يثق فيه فيطلب منه الوثيقة الخطية والإشهاد عليها.
كما أن الشيخ محمد رشيد رضا يرى أن الكتابة وضبط المعاملات سواء كانت ديونا أو غيرها سلوك حضاري ينبئ عن النضوج المدني، يقول في قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ) : وفي نفي الجناح إشارة إلى أن كتابة ذلك أولى وهو إرشاد إلى استحباب ضبط الإنسان لماله وإحصائه لما يرد عليه وما يصدر عنه . وذلك من الكمال المدني ومن أسباب ارتقاء أمور الكسب ولم يجعل هذا حتما لأنه مما يشق على غير المرتقين في المدنية ، والترخيص فيه دليل على وجوب كتابة الديون المؤجلة كما هو ظاهر ما تقدم.
ويعد الشيخ المراغي كتابة عمليات المداينة وغيرها قاعدة اقتصادية حيث يقول : وفي هذا دليل على أن الكتابة من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شروطها وعلى أنها واجبة في القليل والكثير، وعلى أنه لا ينبغي التهاون في الحقوق حتى لا يضيع شيء منها، وهذا قاعدة من قواعد الاقتصاد في العصر الحديث، فكل المعاملات والمعاوضات لها دفاتر خاصة تذكر فيها مواقيتها، والمحاكم تجعلها أدلة في الإثبات.
ويبين الباحث ناصر الطفلان حكمة اهتمام القرآن الكريم بالتوثيق الخطي أكثر من غيره فيقول: تتميز الكتابة عن الطرق الأخرى في أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن إعدادها بصورة مسبقة وقبل وقوع النزاع ، وعادة ما يكون ذلك وقت نشوء الدين ، ويتم الإثبات بها بصورة مباشرة كما أن حجيتها ملزمة وبالإضافة إلى ذلك فتتميز الكتابة بخلوها من الشوائب التي تشوب غيرها من الطرق، كالشهادة فتنتقص من قيمتها كاحتمال فوات فرصة الاستشهاد بالشاهد لوفاته أو غيبته فضلا عن كذب الشاهد وعدم دقته إن كان صادقا بسبب ما يتعرض له من نسيان .
وعلى أية حال فإن الأمر بكتابة الدين سواء حمل على الندب أو على الوجوب فهو ولا شك أمر مؤكد بتأكيدات متكررة متعاقبة قل ما نراه في كثير من الأوامر التي اتفقوا على أنها للإيجاب ، وهو أمر مقرون بمصالح وحكم تنبئ عن عظمة التشريع الإسلامي وعن اهتمام الشارع الحكيم بمصالح عباده.
فلا يصح أن يبقى هذا الأمر مهجورا يشكو من عدم المبالاة والامتثال وأن يكون عكسه هو الظاهر السائد بين المكلفين .وقد كان الشيخ محمد عبده صادقا في تعبيره عن واقع المسلمين وموقفهم تجاه هذا الأمر العظيم عندما كشف بين يدي الأمة هذه الحقيقة الصارخة المرة: هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ما ندب إليه كتاب الله بحجة أن فيها حرجا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينه، لا عملا بهداية دينه.
د. محي الدين غازي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق