العمود

وطنية عن بعد

ونحن في زمن التكنولوجيا، وفي زمن الرفاهية والتحكم في مختلف الأجهزة عن بعد، حتى الطائرات أصبحت “بدون طيار” ويمكن السفر عبرها  إلى أي مكان دون التحرك خطوة واحدة، وفي ظل هذا الحراك التكنولوجي لم تلبث الوطنية أن تواكب التطور وأصبحت تمارس أيضا عن بعد، فأصبح النضال تحت مسمى “حب الوطن” يتم من وراء البحار وخارج حدود الخريطة الجزائرية، والمؤسف أنها وطنية من نوع آخر.

لسنا ضد السعي من أجل تحقيق الطموحات في وطن غير وطننا، ولسنا ضد السعي للبحث عن فرص أفضل ليست متاحة في وطننا، ولسنا حتى ضد السعي للبحث عن حياة أفضل خارج حدود وطننا، لأننا مقتنعون فعلا بأن الحياة في وطننا “مش ولابد”، ففي وطننا أصبح العقرب حيوانا أليفا يدان من يهاجمه ويحكم عليه بالإعدام في المستشفيات  “إهمالا حتى الموت”، وفي وطننا أصبحت جائزة نوبل “غير مهمة” في نظر أوصياء “التعليم العالي والبحث العلمي”، وأصبح من الضروري لعلمائنا وباحثينا أن يخرجوا من الوطن كي يثبتوا كفاءتهم  وينالوا الجوائز “العلمية العالمية”، وفي وطننا أصبحت الثقافة في نظر أوصيائها تفاهة و”تبهليلا” وشذوذا وترميما دوريا “للتماثيل العارية”، وفي وطننا أصبح الاعتراف بممارسة الشيتة فضيلة، كيف لا وهي من أصبح لها أنواع، شيتة إيجابية على طريقة “فؤاد” و”استثمارية” على طريقة من يسعى إلى تقسيم الغنائم، وفي وطننا أصبح الشهيد “قتيلا”، وأصبح ذو الشأن ذليلا ومن لا شأن له “نبيلا”، وفي وطننا يكرم اللئيم ويهان الكريم، وفي وطننا تصبح “وسائل إعلام مأجورة” تمارس الكذب جهارا “نهارا” وتحاول أن تقنعنا بأن الليل نهار، وفي وطننا أصبحت “بنت البابا” تتصدر قوائم الناجحين في مسابقات التوظيف ويحرم “ولد الزوالي” حتى من تصنيفه في قوائم الاحتياط.

ورغم أننا مقتنعون بأن كل ما ذكرناه نقطة من بحر ما يحدث في وطننا إلا أننا مؤمنون بأن الوطنية لا يمكن أبدا أن تمارس بالطريقة التي تمارس بها من خلال “التحريض عن بعد” تأويلا واستغلالا لما يحدث من تجاوزات واستغلالا لما هو موجود من نقائص، فحب الوطن لم يكن يوما دافعا للتخريب ونشر الفوضى، وحب الوطن لم يتعارض يوما مع مصلحة الوطن وسلامة اللحمة الوطنية، وحب الوطن لم يعن يوما “الفتنة”، وحب الوطن لم يعن يوما إنصاف المواطن على حساب “أمن واستقرار الوطن”، وحب الوطن لم يعن يوما الارتماء في أحضان “الشقراوات” والتحسر على حال الجزائريين والجزائريات، وحب الوطن لم يعن يوما النوم في العسل والتحسر عن بعد على حال “الحقوق والحريات”، وحب الوطن لم يعن يوما “الهدرة في ليستاع” والتحسر عن بعد على “الضيق” والغش والآفات.

تستطيع أن تحب وطنك، وبإمكانك أن تنتقد الأوضاع في وطنك، وبإمكانك البكاء على حال وطنك، لكن إياك أن تمارس الوطنية عن بعد عن طريق “إشعال وطنك”، حينها لا يصبح هناك فرق بين من يشعل الوطن من الخارج ومن يغادر إلى الخارج بعد “اشتعال الوطن”، لأن الوطنية الصادقة هي أن نختلف في أي شيء شرط أن نتفق على ” حب الوطن وصون الوطن”.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق