العمود

وهم العظمة وعظمة الوهم

وجب الكلام

في الثقافة الشعبية الأوراسية هناك من يسمى في لهجتنا بالرهباني، وهو شخص شبيه في مهمته بمارد المصباح في حكاية علاء الدين والمصباح السحري، لكن الفرق بين “الرهباني” والمارد هو أن الأول يأتي فجأة دون إشعار منه للمرء بقدومه، أما المارد فهو يأتي بعد جهد من حامل المصباح ورغبة منه، وحسب إحدى القصص فإن شخصا بإحدى مناطق الأوراس قد كان يتجول في سوق شعبية قديما وإذا بشخص آخر يعطيه “فرسا” ويطلب منه أن يحتفظ بها إلى حين عودته، وقد أعطى “الرهباني” للشخص المتجول أجلا محددا قال أنه إذا لم يعد فيه للمطالبة بالفرس فإنها تصبح ملكا للرجل المتجول في السوق، إلا أن الأخير لم يقبل خوفا من أن يكون الأمر نوعا من الاحتيال من طرف صاحب الفرس، وعندما عاد إلى بيته قص الحكاية على زوجته وأبنائه فأكدوا له أن ما حدث قد كان فرصة عمر لا يمكن أن تتكرر فحزن لأنه قدم الشك و”الوسواس” على مبدأ “استغلال الفرص”.
ربما ما حدث للشعب الجزائري هو الذي حدث مع الرجل، فكلنا يعرف أن الشعب الجزائري حتى قبل الحراك بأيام قليلة لم يكن يتخيل بل إنه لم يكن يتجرأ ليتخيل بأن يأتي ذلك اليوم الذي يتخلص فيه من “المتغولين في السلطة” بطريقة سهلة وفي ظرف وجيز، بل وكان أقصى طموحه أن تتراجع العصابة عن ترشيح “بوتفليقة” لعهدة خامسة حتى وإن رشحت بدلا عنه أي شخص فالمهم بالنسبة للشعب أن يتخلص من بوتفليقة، لكن الذي حدث هو أن الشعب قد تفاجأ “برهباني” قدم له فرصة التغيير على طبق من ذهب، وكان بإمكان الشعب أن يحتفظ بحقه في التغيير كاملا غير منقوص لو أنه أخذ بزمام المبادرة ولو أنه أخذ الثقة اللازمة في نفسه، لكن، وبحكم الواقع فإن الأشياء التي تأتي فجأة وبغير جهد من المرء سرعان ما تضيع دون أن يتمكن من استغلالها كما يجب، وذلك ما حدث فعلا، فالحراك الذي فاجأ به “الرهباني” الشعب قد أكسب الأخير وهما عظيما تمثل في وهم “المثالية والوعي غير القابل للنقد” وتسبب في أن تملك الشعب ما يشبه جنون عظمة خاصة بعد أن نفخت وسائل إعلام فيه المزيد من جرعات الزيف، وذلك ما أدى إلى رفض كل حل من طرف الشعب كشك في أن أي حل عبارة عن “ملعوب” أو “طريقة “جديدة في التحايل” فرفض الحوار ورفض تمثيل الحراك ورفض كل ما من شأنه أن يفضي إلى حل “دستوري” في صالح البلاد والعباد وبقي يمارس التعجيز في مطالبه فتحول وهم العظمة إلى وهم عظيم بمجرد أن اكتشف الشعب أنه لم يستغل فرصة كان قد خلقها شخص ليحيي بها حظوظه في أن يعود لمنصبه كرب للجزائر، فلا هو فاز ولا الشعب استغل ما أتيح له من فرصة، واتضح أن السلطة تؤول دائما “لصالح” من يحسن استغلال الفرص.
حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق