الأورس بلوس

يا جبل ما يهزك ريح؟

لكل مقام مقال

يعتبر هذا المثل الشعبي من الأمثال الأكثر شهرة وتداولا وانتسابا..فكل الشعوب العربية على اختلاف بلدانهم يدّعون صلتهم به وبكون مورده يعود إلى أجدادهم القدامى..ولكنه ـ ونعني المثل ـ لا يُقر لهم بذاك..لهذا اتخذ من كل لسان عربي ولهجة موقعا له يُشْكَلُ على حسب “اللكنة” السائدة في كل ربوع الوطن العربي..أما حين ينطق به الجزائري فهو ينبع من عمق ذاك الإصرار على الصمود ومجابهة الشدائد والأزمات والضربات والانكسارات التي لا تكسر إلا ذاتها فنقول “يا جْبَلْ مَا يْهَزّكْ ريح”..
وما يميز هذا المثل الشعبي أنه كان وما يزال رمزا وشعارا ثوريا لفلسطين فكان المرحوم ياسر عرفات يردده دون تردد ليثبت الولاء للوطن والقضية..وقد تَغَنَّى بهذا المثل شعراء “الملحون” والفنانين..وكأن به يشكل تلك الدفعة القوية وذاك المحفز الصلب للوقوف بشموخ “الجبال” أمام ما يزعزعها ومن يسعى إلى زعزعتها..
ويعود أصل المثل إلى شيخ من شيوخ قبيلة بدوية تقضي أيام السنة في الترحال بين الشمال والجنوب والهضاب..ولكونهم رحّل فقد كانوا يتعرضون إلى اللصوص وقطاع الطرق..وإلى الكثير من الصعاب منها ما تعلق بالطبيعة ومنها ما تعلق بالحيوانات المفترسة والبشر..وكانت هذه القبيلة ذات سيادة وقوة يشهد بها إصرارهم على البقاء في أجواء قاسية لا ترحم..وقد تربى صغارها على الشدة والعنفوان والاعتزاز بالنفس فكانوا رجالا منذ نعومة أظفارهم..وفي يوم من أيام الشتاء العنيدة اجتمع على القبيلة قطيع من الذئاب يريدون الانقضاض على مواشيهم..وغير بعيد عنهم قُطّاع طرق يتربصون بهم وينتظرون انشغالهم بالذئاب ليسلبوهم أموالهم..ولحكمة زعيم القبيلة ورجاله وخطته المحكمة وبفضل من الله، استطاعوا أن يضربوا ضربة رجل واحد وأشعلوا النيران بكل محيط خيامهم ففزعت الذئاب وهربت..أما قطاع الطرق فقد دخلوا في مواجهة غير متكافئة مع صناديد تلك القبيلة الذين كانوا يصرخون بعبارة “يا جبل ما يهزك ريح” التي أدخلت الرعب في قلوب اللصوص، وخارت قواهم ولم يستطيعوا الهجوم على القبيلة أو التغلب على فرسانها..ففروا بجلودهم مخافة القضاء عليهم وسَلِمَتْ القبيلة من تلك الشرور مجتمعة..وانتشر خبرهم في القبائل وذاع صيتهم وأصبح لهم شأن عظيم..وأصبحت صرختهم مثلا يضرب..
” يا جبل ما يهزك ريح”..يضرب هذا المثل عند استصغار النوائب والثبات أمام الشدائد ومواجهتها بصدر مفتوح.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق