مجتمع

ينار، يناير أو أنَور، تسميات مختلفة والخصائص واحدة والأمل يتواصل..

عادات وتقاليد وطقوس توحد سكان شمال افريقيا

فوزية قربع

تجملت الجزائر في الأيام الجارية، بحلة الشتاء والأمطار والثلوج التي زينت الجبال وزرعت فرحة كبيرة في قلوب الفلاحين والمواطنين في ربوع الوطن، لقد أصبحت هذه الأيام بمثابة تقويم يعود بالخير والبركة ويمنح الأمل بعام أفضل، ومن ذلك تم اختياره منذ قرون مضت من قبل سكان شمال افريقيا ليكون تقويما تاريخيا فلاحيا يستبشر بالخيرات وتقام له الطقوس والعادات وتقدم له الدعوات وترفع له الآمال بعام أفضل مليء بالجمال والرزق والخير، وهكذا أصبح الجزائريون يحيونه خلال الأيام الأولى لشهر جانفي “يناير” من كل سنة ليعلن عن بداية التقويم الأمازيغي الذي وصل تعداده لسنة 2971.

وتحيي مناطق الجزائر، على غرار منطقة الاوراس “الشاوية” ومنطقة القبايل وبني مزاب ومناطق التوراق جنوب الصحراء، وعديد الولايات الأخرى، هذه المناسبة بالتحضير لها وتقديم الأفضل للاحتفال بها، على غرار تغيير الأفرشة وتزيين البيوت بديكور جديد وتحضير الأطباق التقليدية الأصيلة احتفاء بالمناسبة، إلى جانب نشاطات ثقافية وفنية مختلفة يتم تنشيطها من قبل الجهات الرسمية أو الجمعيات والجماعات والعائلات، وقد كانت الفرصة لهذا العام الجديد 2971، أن تكون احتفالاته بولاية باتنة حيث التقت الجموع من كل صوب وحدب بالولاية التاريخية لتحيي أمجاد الأجداد وتحتفي بعاداتنا الضاربة في التاريخ والتي لا تزال رمزا من رموز الرخاء والخيرات والأرزاق ولا تزال تستبشر بالأمل والغد الجميل، وهو ما اجتمعت عليه عادات الجزائريين من جنوب البلاد إلى شمالها ومن شرقها لغربها، من خلال الغوص في عادات مناطق مختلفة وطريقة احتفالهم بهذه المناسبة المميزة.

الشايب عاشورا وثاكورث تميز ينار الأوراس..

تقول الكاتبة حول التراث الأمازيغي الأوراسي، السيدة سعيدة عبوبة، أن الاحتفال بينارمتوارث في عادات الإنسان الشاوي من خلال الحفاظ عليه وإحيائه بمختلف المناطق وباختلاف الطقوس والأكلات والذي كان يقام في القدم في 14 من شهر يناير “جانفي”، حيث يتم التحضير له بإعداد الشرشم الذي تضاف له بعض الحبوب ويتم توزيعه على أفراد العائلة كما يتم تقديمه أيضا للجيران أو العائلة القريبة.

ومن ناحية الديكور والبيت، فكانت البيوت في القدم تخضع مواقدها لإعادة التهيئة والتنظيف من خلال نزع المواقد القديمة وتغيير حجارتها بأخرى جديدة أو تمسح بالحشيش الأخضر وتصفى من الشوائب لتكون جديدة تماما ويتم طهي عشاء ينار فوقها، مع الأخذ بعين الاعتبار لجوء بعض المحتفلين لطلاء المنزل بالأبيض استبشارا بالخير وتمسكا بالأمل.

أما الآن، فقد دخلت عادات جديدة حسبما تضيف السيدة “فطيمة”، التي تقول أنالحفاظ على طبق الشرشم لا يزال متجذرا مع ظهور أطباق جديدة مثل الزيراوي وتحضير الشخشوخة بأنواعها، وكذا الرفيس الذي يعتبر شيئا أساسيا في ليالي ينار والذي يحضر مع اللبن لتوزيعه على العائلة ليلا، إلى جانب تحضير بعض الأطباق العصرية والتحليات التي لا تخلو من السكر والتي أصبحت تزين موائد ينار وتنافس الأطباق التقليدية.

وفي مناطق مختلفة من الأوراس، لا يزال الساكنة يحافظون على لعبة “ثاكورث” التي يتم صنعها بواسطة القش وتلعب عشية ينار بين فريقين يتنافسان على الكرة، أما في منطقة تكوت والمناطق المجاورة لها، فلا يزال السكان يحافظون على طقوس “الشايب عاشورا” الذي أصبح تقليدا راسخا وتشتهر به المنطقة خلال كل احتفال برأس السنة الأمازيغية.

“أنَور” تيميمونيثري المائدة بأطباق متنوعة وعادات ضاربة في التاريخ

تتحدث السيدة سعيدة جار الله من منطقة تيميمون بولاية أدرار، عن أبرز العادات التي يتميز بها ينار أو “أنَور” في المجتمع الصحراوي بأدرار، بالحفاظ على الطبخ التقليدي الخاص به، حيث تحضر أطباق “الرقاق”، و”خبزة أنور”، “مرقة العدس” و”مردور” وهناك طبق يسمى “طعام السراير” يحضر بالتوابل، حيث يلجأ التيميمونيون إلى تحضير “خبزة أنَور” كأهم طبق في المناسبة بتحضيره وطهيه في فرن طيني وعلى نار طبيعية بالحطب ثم يقدم لكل فرد من العائلة، وهناك من يختار ارتداء اللباس التقليدي والخروج إلى الطبيعة لطهي اللحم في عمق “الرمل” وغيرها من الطقوس والعادات المتوارثة لحد اليوم.

وبالرغم من العصرنة التي مست العديد من التقاليد في الأطباق واللباس والديكور وحتى الأواني وغيرها، فإن المجتمع الصحراوي لا يزال يحافظ على نفس الطقوس والعادات لغاية اليوم حسبما أكدته السيدة سعيدة “للأوراس نيوز”، فهناك من يحرث أرضه وينظف حديقته أو حقله، وهناك أيضا من يختار طهي الطعام بسبع أنواع من الخضر من الفول واللفت والجزر وغيرها، وهناك من يختار ذبح الديك الذي يتم إعداد طبق “الرقاق” بواسطته والذي يحضر بدقيق القمح ثم يفتت وتضاف له “المرقة”.

ومن أشهر الأطباق أيضا “خبزة القمح” أو “تادلاخت”، التي تحضر بحشو من البصل والثوم والشحم، ويتم طهيها وتفتيتها وتضاف لها “مرقة العدس” وهي ما يسمى بـ”تادلاخت”، وهي أكلات تقليدية يكلل بها عيد “ينار” أو “أنور” في تيميمون بأقصى الصحراء الجزائرية والتي يحافظ عليها لغاية اليوم.

دجاجة لكل فرد من العائلةبالقبايل ويناير فرصة للقاء والفرح

المهتم بالتاريخ الأمازيغي والمؤلف جبرا آكلي، حدثنا مطولا عن عادات سكان منطقة القبايل في احياء رأس السنة الأمازيغية خاصة بمنطقة “عزازقة” بتيزي وزو، حيث يحضر “سكسو” أو “الطعام بالدجاج” والذي يتم فيه تقديم دجاجة كاملة لكل فرد من العائلة وهي من أهم العادات والتقاليد القبايلية التي يحافظ عليها لغاية اليوم، أي إذا كان عدد أفراد العائلة سبعة أشخاص فيتوجب ذبح سبع دجاجات يتم بواسطتها تحضير “مرق” الكسكس، بإضافة سبعة أنواع من الحبوب مثل العدس والحمص والفول وغيرها، مع الحفاظ على عادة توزيع الطعام للقريب أو الجار القريبوالإجتماع على مائدة واحدة ليلة 12 يناير، والتي تعني لم الشمل والتكافل الأسري والاجتماعي.

وإذا رزقت العائلة بمولود بلغ عاما من عمره، فتقوم الأسرة بقص شعره كعادة متجذرة وتوضع له الحناء في اليد، وبخصوص تغيير ديكور المنزل والأواني فلا توجد مثل هذه الطقوس في منطقة عزازقة مثلما كشف عنه السيد “آكلي”، فيما تعتبر احتفالية يناير فرصة للفرح ولم الشمل والتفاؤل بعام أفضل مليئا بالخيرات والأرزاق والأمطار للفلاحين الذين ينتظرون مثل هذه الأيام للاحتفال وتحديد خيرات الموسم.

السادس من يناير هو موعد الإحتفال بالسنة الأمازيغية عند بني ميزاب

تنطلقالإحتفالات برأس السنة الأمازيغية الجديدة “ينار” عند أمازيغ واد ميزاب في 6 جانفي وتمتد لغاية 13 منه، وهو ما أكده المتحدث ربيع حمودة معد ومقدم برامج بالقناة الثانية الناطقة بالأمازيغية للأوراس نيوز، الذي قال أن ينار فرصة للقيام بالتقويم بالنسبة للفلاحين الذين يقومون بتخزين مياه الأمطار التي نادرا ما تهطل بالمنطقة، حيث يستغلونها مباشرة أو يقومون بتخزينها في سدود ثم حفر الآبار وهي العملية التي تحتاج لجهود وتدقيق كبيرين، وهو ما احتاجه الفلاحون لاحقا للحفاظ على “الواحة” أو الأرزاق التي بذلوا فيها جهودهم.

ومن الناحية الإجتماعية، فينار فرصة للوقوف على حالة الفقراء والمساكين عند بني ميزاب وإحصائهم، حيث يقوم أصحاب الأملاك والأموال بالإجتماع في المساجد منذ الصباح لغاية آذان المغرب لقراءة القرآن والتصدق بما جادت به جيوبهم، لتقديمها للفقراء والعائلات المعوزة وهي عادة تسمى “المكابر” ويتم الحفاظ عليها لمدة شهرين متتاليين وتقام خلال كل جمعة للاطلاع على أوضاع الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم وتعكس مظاهر التكافل والتآخي والتضامن في المجتمع.

أما من ناحية الأطباق التي تحضر خصيصا للاحتفال ينار عند بني مزاب، فيتم تحضير طبق “الرفيس” الذي يتم تقديمه من قبل كبير العائلة وتوزيعه على أفرادها، وهي عادات تفرض على الصغار احترام كبير العائلة وتقديره وإعطائه قيمته الحقيقية، وبقدر ما هي احتفال وطقوس متوارثة بقدر ما هي مبادئ وأخلاق تكرس للاحترام والتقدير المتبادل في العائلة وهي ممارسات مهمة جدا للأجيال بما تقدمة من قيم وإيجابية، كما يوجد طبق آخر يسمى “خليظة” وهو نوع من الطعام الذي يحضر بأنواع متنوعة من الخضر المجففة التي يتم مزجها استبشارا بعام من الخيرات والأرزاق.

وهناك عادة متوارثة في غرداية وعند عدد معتبر من بني ميزاب تسمى “أدوا نوامن”، أي تعريض الماء للضوء وهي أمور مقدسة عند المجتمعات الأمازيغية القديمة وتستبشر أيضا ببداية العام الجديد والتي لا تزال العديد من العائلات تحافظ عليها من خلال تعريض الماء للضوء سواء الطبيعي أو ضوء الشمعة وغيره لإضاءته أملا في عام أفضل.

بالرغم من الاختلاف الملاحظ في عادات مناطق مختلفة من الجزائر خلال الاحتفالات الخاصة بينار والتي تنطلق في السادس جانفي عند بني ميزاب وفي 12 بمنطقة القبايل والصحراء وفي 14 عند الشاوية، إلا أن العادات والتقاليد تبقى متشابهة وذات مغزى واحد وهدف واحد وهو الاستبشار بموسم فلاحي مليء بالخيرات والبركات متمسكين بالأمل في عام أفضل ومستقبل مزدهر ومنير.

ف.ق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق