ثقافة

12 يوما بسيلا…. ونسخ أخرى ستكون نسيا منسيا

اسدال الستار بعد التخمة

إعداد: رقية لحمر

 

المكان العاصمة الجزائر، الحدث الطبعة 23 من المعرض الدولي للكتاب، الزائرون مختلف الشخصيات الثقافية والسياسية والأدبية والفنية والمثقفين من خارج الوطن وداخلها، الزمان 12 يوما من البحث المتواصل عن أشياء جميلة وأخرى مثيرة وأفكار لا حصر لها في مختلف الاختصاصات والتوجهات، الأعداد الالاف من الذين يبحثون عن ذواتهم عنهم وعن الكتاب، التأريخ للصور عن طريق السلفيات والبيع بإهداء مع “المعشوقين” من المؤلفين والأحباب والأصدقاء، المسافة لا تقاس بالنسبة للكتاب حتى وان كانت أرقاما من الكيلومترات والتعب في أعين فضوليها، والغنيمة “الكتاب” النجم الذي سطع ضوئه ليكون محبوب الجماهير المتزاحمة، التوثيق من خلال أعين الصحافة التي لا تهدأ أبدا، وتخمة ثقافية من ندوات ونشاطات ومحاضرات تشبع الجوع الأدبي والفني للمهتمين، والنهاية اسدال الستار وسبات إلى ما بعد 353 يوما إلى أن ترث سيلا مجددا صالونها ونعيد الكرة لآلاف الحيوات الكتابية.

 

سيكون من المثير حقا أن نجد الصالون الدولي للكتاب بالجزائر الذي استقطب العديد من الأفكار والقراء والكتاب عمل على تقليص الهوة التي يعيشها الكتاب، خاصة إذا ما كان عدد الزائرين ودور النشر الأجنبية منها والجزائرية راهنت على تميزه هذا العام، وإذا ما كنا أيضا نتلاعب بالأرقام على غرار المحتوى والمضمون الذي يحمله المُؤلف الواحد، أو من خلال تقاسمنا فرحة الكاتب وهو يناول كتابه للقارئ بعدما أضحت وسائل التواصل الاجتماعي تساعد على تثمين هذه الأعمال وتشهيرها، وإلا كان العمل الواحد غير معروف، “ألم يقلها أحد الكتاب أن هذه المواقع ساعدته على التشهير لروايته”، وقد كان أيضا الجو ملائما لبعض دور النشر أن تتنافس على استعراض منتوجاتها الأدبية والترويج لها وأنها الدور الأكثر مبيعا في غضون هذه الأيام القلال، دون احصائيات أو أرقام رسمية والمسارعة في النشر والتهويل وجعلها في مصاف الأكثر مقروئية مرة أخرى، أو تلك الأسماء التي لم يعد في حسبانها أن تصنع الشهرة بعدما تشبعت منه واحتلت الصدارة، في حين نجد هنالك من الرواد الذين لا يزالون يتميزون بالتواضع ويقدمون فكرا نيرا ويحظون باهتمام أقل على حساب من يُكتب للإثارة والممارسات الاخرى التي قد تكون مرغوبة وفي نقيضها الغير مرغوب، أقول أن ذلك يتحدد وفقا لشخصية الكاتب والقارئ ومدركاته المعرفية والنفسية والاجتماعية حيث تجتمع فيها فيزياء الكتب كضجة جميلة أو سيئة داخل المنحوت الورقي.

 

هل يجب أن تكون سيلا الحدث الأضخم دائما على حساب الأحداث المحلية؟

المشاهدة عن كثب أو الغوص في تفاصيل الرحلة نحو سيلا، فبقدر ما نجد كتبا يمكن اقتنائها من الشارع المقابل للمنزل أو من أقرب مكتبة لنا، توجد من الجهة الايجابية كتب نادرة لم يحالفنا الحظ أو المساعي في الحصول عليها، وربما أيضا لا نحصل عليها إلا بعد جهد مضني من التعب ونحن نعصر لهفتنا في إتمام المهمة الأكثر من كونها مستحيلا وأن تمر بصعوبة بين أكوام من الأجساد البشرية للزائرين وكأن تصاب بحالة اختناق عندما لا تستطيع الوصول إلى مكان محدد بسبب الاكتظاظ، يحدث هذا في وقت أصبحت فيه سيلا الحدث الأبرز للكتاب، و لا يعني أن ننقص من خصوصية وحجم هذا المعرض، بقدر تساؤلنا فيما اذا كان من المجحف أن تكون المعارض موسمية ومناسباتية، تخص سيلا وحدها، في حين يمكن إقامة معارض مشابهة للذين لم يسعفهم الحظ في أن يوجدوا أنفسهم هناك، أو الذين سعوا لأن يكون جزء من الحدث لكن لم يكن لتواجدهم أي معنى نتيجة عدم الترويج لكتابه، الأمر يبدو أكثر جنونا عندما يحج الملايين للمعرض ولا يجدون الوقت اللازم للفضفضة، أو تبادل الأفكار والخبرات فيما بينهم، لضيق الوقت وهو يوقع لمعجب آخر، أو ليجيب عن ألاف التساؤلات حول العمل الواحد، وإن كانت الرغبة ميالة بشدة في نسخ معارض أخرى بحجم سيلا في مناسبات متتالية وأن يعطى لها نفس الأهمية دون الشعور بوجود فارق ما، وأن نجد أخوات لسيلا في مناطق متفرقة من الوطن.

 

التخمة الثقافية وكتب في قفص “قلة الأدب”

الاصداء لن تتوقف في كون معرض سيلا بالنسبة للبعض كان جد مميزا بعدما أتاح له فرصة الظهور وتحول القارئ إلى كاتب والكاتب إلى قارئ في معادلة خطية على نحو ما، وليس من الغريب أن نجد ذلك، فالكل يبحث عما يعبر عنه، فقد يجد ذلك لدى كاتب شاب وقد لا يحدث مع آخر تجاوز كل ذلك التوهان، والحصيلة هو حصول الكثيرين من الكتب رغم أسعارها التي أقرتها الاحصائيات بأنها غالية، بأعداد هائلة وبكميات لا تنتهي من المضامين المختلفة، وعلى الأرجح لن يكلف ذلك القارئ مهما كانت صفته في اقتناء بعد هذا الحدث كتبا أخرى، إلا أن ينتهي من قراءتها، أو يضعها في ركن ما تزيد من بهاء الديكور والغرور الذي يلاحقه بأنه اشترى عدد كذا دون أن يكلف نفسه عناء القراءة، ودون أن ننسى أن هنالك فعلا من استحقوا أن يُقرأ لهم لجميل نصوصهم ومعانيهم والأفكار التي تحمل المتلقي لعالم آخر من الذهول والدهشة، والأقلام كثير وكبيرة في ذلك، فعلا أستحضرها ولا يمكن ادراج كل أسمائها، غير أن العديد من الكتب يمكن تصنيفها في خانة “قلة الأدب” والأسوأ من ذلك انطباعات القارئ المشتري للمحتوى الهابط وفق ما يمكن تسميته “عدم اعطاء حياة له من خلال النصوص التي يقدمها الكاتب”، واعتبرها الكثير من القراء استغباء في حقهم، فلطالما أضحت الشهرة وولوج عالم الكتابة ذريعة كل من هب ودب والتجارة في الأخير هي الوجهة الأولى والأخيرة وقتل النص قتلا شنيعا والضحية القارئ دائما ويرجع ذلك إلى عدم عبورها عبر حائط “النقاد” الذين سيتكفلون بالتقليل من الأزمة التي نعيشها اليوم.

وعلى الرغم من التخفيضات التي عرفتها الأيام الأخيرة من الصالون الدولي للكتاب، فكل شيء حدث بسرعة والكل التقى بكاتبه المفضل، وعلى الرغم من المساحات التي سلطت من خلالها أعين القراء على اصدارات شخصيات ثقافية على رأسها وزير الثقافة،  بقى الصوت الذي يردد الكتاب والمثقفين اسماعه هو قلة فعاليات كبيرة كهذه تحتفي بالكتاب، والأنشطة والأعمال التي تتجاوز كونها مناسباتية، والعمل على تجديد “ضجة” وحركة “ثقافية ” مستمرة، لا تنتهي بانتهاء سيلا، أم أن باقي الأيام أضحت نسيا منسيا في ظل غياب أفق ومخططات لنشاطات تعطي الاستمرارية لمثل هذا الأحداث الثقافية؟.

ر. ل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق