العمود

التفكير بصوت عال: حكايات المقاهي

في مدينة الميلية التي قضيت فيها شبابي وبنيت فيها أهم ما يمكنني أن أعتد ببنائه، كانت المقاهي فسيفساء لكل شيء؛ تعرف الناس بطبقاتهم الاجتماعية: مقهى الحي لمسحوقي الحي، الكل يتعارف، إلى درجة أن الذي يدخل يمكن لأي واحد في المقهى أن يسأله: ما بك اليوم؟ وجهك مكفهر…وقد تسمع شيئا من قبيل: غبتما أمس أنت والصادق، و هو لم يعد إلى لبيت سيارته لم تركن إلا في الصباح، هل ذهبتما إلى بجاية للسهر في ملهى “الحماديين”؟.
المقهى امتداد غير شرعي للبيت
مقهى الحي هو ذلك الجزء من البيت الذي لا تدخله النساء. هذا كل ما في الأمر.
الذين يذهبون إلى مركز المدينة la place لا بد أن يكون لهم سياق اجتماعي يبرر خروجهم من الحي.
مقهى بولعبيزة لرجال الأعمال، لتجار العملة الصعبة، لمخبري الأمن … بعض الشباب الذي يريد تغيير مكتوبه التعيس من خلال الاختلاط بهؤلاء الذين “يعرفون الدنيا ويفهمون في لعب الكبار”…لاحقا سأعرف شيئا رهيبا لم يتوقع صناع القهوة أن يرتبط اسمه باسم القهوة. المقهى الذي كان يسمى “مقهى الشهادة”..
لماذا؟
لأنك، هناك، تستطيع لقاء مبلغ مالي محترم أن تحصل على شخص غير محترم يقدم شهادة زور تفك أسرك في المحكمة.
مقهى سعيداني للعائلة الثورية في صيغتها الريفية.. جماعة السلاح…بالمقابل مقهى المجاهدين لجماعة المجاهدين “القاريين” جماعة “بوعريفو” الذين وصفهم لينين بأنهم مستعدون للخيانة لأنهم يجيدون تبريرها. في سعيداني يبدو لك الزبائن دوما في انتظار خبر سيء ..وفي مقهى المجاهدين يبدو لك أن الجماعة قد وصلها الخبر فعلا وهم متأسفون جدا بسبب ما حدث.
مقهى “الكنز” شهد ظهور الحداثة في المقاهي: القطيعة مع الطاولات الخشبية، أنواع القهوة تتكاثر بدلا من الارابيكا والروبيستا اللتين أغرقتا التاريخ الجزائري المعاصر في نكهة واحدة تذكر بالحزب الواحد الذي ظل حاكما لمدة فاقت كل ما يطاق. مقهى الكنز سجل ظهور تراتبية معينة في مفهوم المقهى، الفناجين ذوات النقوش والصحون… التصميم الأميركي للحانة الأميركية بألوانها الليلية الداكنة… طريقة الجلوس تترجم مزاجا مختلفا عن أمزجة المقاهي الكلاسيكية. .. الأسعار المرتفعة نسبيا وهو أمر لم يكن معهودا خارج المدن الكبرى في جزائر مولعة بريفيتها التي عملت على المحافظة على لحمة المجتمع والتي سرعت في ظهور التيار الاسلاموي ثم الإرهاب… ريفية قوامها الدعاية القوية لنسخة حركية شعبوية مبسطة من الإسلام ومن نموذج المجتمع الاسلامي.
انتشرت عادة المقاهي النظيفة جميلة التصميم الداخلي التي لا يدخلها العمال بملابس العمل، ولا يدخلها أي شخص كان. ولا يصرخ فيها الزبائن بالطريقة البدوية المعروفة التي تدل على حميمية فجة فظة ولكنها حميمية كبيرة ( لم يكن للمقاهي في الريف أية نكهة إذا لم يظهر عمي مولود أو جدي عمار أو عمي مسعود أو عمي مختار رحمهم الله أجمعين صارخا رافعا صوته مجاهرا بملاحظة حامضة قارصة إزاء أحد الأصدقاء أو الأتراب من كبار الدوار)…المقاهي التي تشبه “الكنز” فيها باحثون مريبون مترددون عن كنز غير واضح الملامح…
في أحد هذه المقاهي كتبت روايتي الأولى “رجل الأعمال” مقهى جميل سيء التهوية مما يجعله ساخنا دوما فيحدد عدد مرتاديه..مقهى سمي بكل بساطة “الكنز 2″…مقهى يظل حميميا على عكس عشرات المقاهي في الجزائر العاصمة أين تشعر بأن المقهى يكرهك…أو أنه لا يرحب بك في أحسن الأحوال… عليك أن تشرب قهوتك بسرعة وتنصرف لأنهم منشغلون.
بماذا ينشغل الناس في العاصمة؟ لا أحد يستطيع أن يجيبك. الجميع منشغل بالانشغال ولا أحد يذكر بماذا كانوا منشغلين أول الأمر …لقد ورثوا الانشغال عاريا من كل ذاكرة.
كثير من أجواء رجل الأعمال هي مقاه مغلقة…داكنة… حميمية… وكثير من مقاطع الرواية يهيمن عليها مذاق القهوة… حزين في لذة… تتعود عليه رغم أنه ليس ألذ ما هو موجود…ويمثل تناقضا عميقا من باب كونك ذا ثقافة ماركسية وتكره التفكير الرأسمالي ولكنك تشرب القهوة التي كان مغرما بها بلزاك (عاشق الرأسمالية الكبير) وتشمئز من الشاي الذي هو الشراب الأثير لدى كارل ماركس الذي ستتعلم عنه كل شيء، في مرحلة لاحقة من حياتك، بعدما ستكرهه بشدة بسبب الكره الذي يكنه له التيار الإسلامي الذي داعبك فبادلته المداعبة في شبابك اليوطوبي الأول.
حينما دخلت بعد عشرين سنة من تلك المرحلة إلى “مملكة القهوة ” في مرسيليا راقني المكان..والروائح…وشربت قهوة من البارغاواي ذكرتني بالقهوة الكويتية ذات الحموضة التي تذكر بطعم القهوة في أصولها اللغوية (أليست القهوة اسما من أسماء الخمر في القاموس العربي؟)…ولكن شيئا عميقا كان غائبا: نبيل صديق الطفولة والورقة التي عليها نص كتبه أحدنا بالأمس جئنا نقرؤه اليوم وننافشه ونبدي الرأي حوله…
كان ذلك يحدث في مقهى “غرناطة” بالميلية.
مقهى غرناطة أروع مقهى في العالم بلا منازع.
مقهى جميل في مكان رائع. إحدى جهاته هي صخرة كبيرة. البناء محفور في صخرة كبيرة. مليء بالأشجار والمياه. مقهى تسيره عائلة “بوعلي” وتسهر عليه بشكل رائع. تجتمع فيه كل الفصائل البشرية الممكنة: الشباب المثقف. الكبار المتقاعدون. الفنانون. إطارات الدولة. الباحثون عن قليل من الظل في صيف الميلية الذي لا يعرف قلبه الرحمة…
في مقهى الكنز ظهرت اتجاهات في الفن والكتابة وأجيال من الموسيقيين والممثلين وأهل المسرح… وكانت الجغرافيا المعقدة تخضع لخرائط الطاولات… إلى اليمين طاولات الريفيين الواردين أيام السوق الأسبوعية على الميلية من الأرجاء الكثيرة. في الوسط طاولات الزبائن غير المتعودين على المقهى والذين لم يحدوا مكانا. إلى اليسار طاولتا الأدباء. جاورها طاولة موسيقيي دار الشباب الذين يجيدون اللغة الفرنسية إلى جانب العربية. إذا تورطت عدة أمتار إلى اليمين سيكون المحل وبداخله جماعة السياسة والأمن الذين يجالسون صاحب المحل “عمي علي” المجاهد الكبير- رحمة الله عليه- وإلى اليسار سيكون هنالك الفنانون الحداثيون. عازفو القيثارة الكهربائية. السنتيتيزور…مغنو الأعراس. أبناء الأكابر ويعرفون بأنهم يلبسون اللباس الفرنسي ويشربون “النيسكافي” بعد أن يتناولوا فطورهم في المقهى: حليب كثير القهوة وخبزة هلالية مع لفافة راقية وعبوس الفنانين المظلومين من طرف مجتمعهم أو عبوس الأكابر الذين يضعون حدا لأطماع معارفهم الطامعين.
ما عشته في مقهى الكنز لم أجده في أي مكان آخر.
القهوة مسألة نفسية اجتماعية … أهم ما في المقهى وما حول القهوة هو ما تحمله في نفسك من الإحساس وأنت تدخل تلك الأماكن التي لا معنى لها إذا لم يكن لنا معنى معنا نحمله داخلنا…

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق