مجتمع

“la nappe” بين استهزاء الفيسبوكيين وأصالة نساء الأوراس

مفارش تقليدية تأبى الاندثار

تميزت نساء الأوراس بإتقانهم للعمل اليدوي، خاصة ما يتعلق بجانب الموروث المادي من الصناعة النسيجية، فقد كانت نساء المنطقة يقضين أوقات فراغهن في النسيج سواء أكان صناعة “القشابيات” للرجال أو حياكة بعض الثياب كالسترات الصوفية للأطفال مع حلول فصل الشتاء، أو صناعة الزرابي و”الحنابل”، ولكن الهواية الأفضل كانت صناعة مفارش الموائد الذي يعرف باللهجة المحلية باسمه الفرنسي “لاناب”.

صناعة هذه المفارش كانت وسيلة يومية لقضاء وقت الفراغ في أشياء مسلية ومفيدة للوازم البيت، فيما كانت تتخذه البعض كمهنة لها خاصة وأن هذا النوع من الأعمال كان أساسيا آنذاك، حيث كان يستخدم في حياكة هذه الأنواع خيوط صوف من الألبسة القديمة الرثة التي يتم اعادة تدويرها بهذا الشكل والاستفادة منها بأقصى درجة ممكنة، كما تتكون أدوات الحياكة من ملقطين حديديين معروفين باسم “لكروشي” واللذان يتدخلان يبعضهما البعض بطريقة سلسة تبدو للناضر معقدة بعض الشيء خاصة وأن النساء اللاتي تعودن على ممارسة هذا النشاط أصبحن يستعملنه دون النظر إلى الخيوط أو أناملهم التي تعمل بطريقة شبه أوتوماتيكية، وبسلاسة تامة دون الحاجة إلى بذل أدنى جهد من أجل تحديد مداخل ومخارج الإبرة التي تستخدم في الحياكة، لتصنع زخارف وأشكال أبرزها أشكال الورود والمربعات بطريقة جملية وإبداعية رائعة تبدو لمن يراها ولا يعرف طريقة صنعها أنها جد صعبة وتأخذ وقتا كبير لإتمامها، لتتوج في النهاية هذه المفرشة بتزين كل ركن من أركان البيت سواء فوق التلفاز أو الموائد أو الخزائن وغيرها خاصة وأنها تعطي رونقا خاصا للمنازل الجزائرية سواء العتيقة أو العصرية، ثم إنها تعبر عن الموروث الجزائري بامتياز..

صناعة المفارش التي كانت في الأمس القريب لا تبتعد عن أيدي ربات البيوت أصبحت اليوم ضمن المزحات التي يستعملها رواد موقع “فايسبوك” ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي في السخرية من هذه الموضة التي أصبحوا يرو أنها قديمة مقارنة بعصرهم، غير أن الواقع يثبت العكس فإن كان العصر تغير وتغيرت معه الموضة فإن هذه المنسوجات تعد اليوم بمثابة موروث مادي يجب المحافظة عليه على الأقل من جانب التدوين وتلقينه كحرفة تقليدية طبعا إلى جانب الصناعات النسيجية والخياطة والحياكة بوسائل ومواد أكبر “كالسداية” التي حمت سكان الأوراس من برد الشتاء القارص في الوقت الذي لم تكن هنالك وسيلة للوقاية منه إلا تشمير النساء على سواعدهن واختيار الصناعة المنزلية كمصدر لهذه المنتجات، وما يثبت أن المفارش لا تزال مطلوبة هو توجه أي عروس مقبلة على الزواج تكون في صدد التجهيز إلى اقتناءها من أجل تزيين منزلها بعد الرحيل إليه.

وبين من يعتبر هذه الصناعة الإنتاجية جزء من الموروث المحلي ومن يعتبرها موضة انقرضت وولى زمنها، يتواصل مسلسل يعتبر ضمن صراع الأجيال بين جيل تربى على كل  ما هو تقليدي ويدوي الصنع وجيل فتحت له التكنولوجيا آفاق التطور الحضاري ليبتعد عن هذه الأشياء بل ويسخر منها رغم أنها كانت جزء لا يتجزأ من حيات أمه وجدته، وفي ظل عدم وجود عملية بناء وتكامل وتواصل بين الجيلين تزداد الهوة والفجوة اتساعا لتدق أبواب مختلفة في قضايا المجتمع والقضايا الثقافية وعدة قضايا أخرى.

رضوان غ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق